|
29 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
إليك كتاب تاريخ مكة المكرمة منذ تاسيسها وحتى عام 1925 م
تأليف : جيرالد دي غوري
مقدمة المؤلف:
لقد استعنت بالكثيرين في تأليف هذا الكتاب ومن مفاجآت الصدف أنني استعنت فيما يتعلق بتاريخ مكة في العصور الوسيطة بكتاب مخطوط وفي غاية الأهمية استعرته بعد إلحاح شديد من وجيه مسيحي في بغداد يدعى (يعقوب سركيس) كما استعنت بمؤلفات الحسيني وابن زيني دحلان الذي شغل منصب مفتي مكة لبعض الوقت. وقد اعتاد المؤرخون العرب على تسجيل التاريخ والأحداث بشكل متسلسل حسب السنوات وغالباً ما يسردون الأحداث ويضعون السنة الهجرية التي حدثت فيها تلك الأحداث في هامش الصفحة.
ولا بد من تسجيل العرفان للسيد رؤوف الجادرجي الذي وضع تحت تصرفي مكتبته الخاصة الحاشدة بالكثير من الكتب والمؤلفات والمخطوطات التاريخية التي لا تقدر بثمن كما قدم لي عوناً كبيراً في ترجمة وتوضيح العبارات والمصطلحات التركية والتاريخ العسكري التركي في الجزيرة العربية.
وأشكر كذلك السيد حسين تيمور من السفارة البريطانية في بغداد الذي ترجم لي عدة صفحات من المؤلفات التاريخية العربية في جو بغداد الحارق.
وأخصّ بالشكر العميق كلاً من الأمير الشريف عبد المجيد علي حيدر بن جابر بن عبد المطلب آل غالب ذوي زيد والشريف محي الدين والشريف محمد أمين أبناء شريف مكة علي حيدر جابر عبد المطلب (ذوي زيد) والشريف حازم بن سليم باشا الذين لم يبخلوا علي بالمراجع والوثائق التي يمتلكونها كما أنهم أوضحوا لي الكثير من الأمور وكنت أتردد عل منازلهم في بغداد كما دعت الحاجة للاستئناس برأيهم.
وقد تفضَّل عدد من المسؤولين والمدنيين الأتراك والإنكليز –مشكورين- بتقديم مساعدات قيمة فيما يتعلق بالمراجع في كل من أنقرة واستانبول وخاصة الوثائق العثمانية في أثناء إقامتي في تركيا.
كذلك قام مدير الجمعية الفلكية البريطانية مشكوراً بمقارنة تواريخ الظواهر الفلكية التي تحدث عنها الحسيني في كتاب (تنضيد العقود) بالظواهر التي حدثت في بريطانيا وأثبت صحة ودقة ما سجله الحسيني. ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر العميق للوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله بن علي الذي سمح لي بالإقامة في قصر والده المرحوم الملك علي في أثناء عملي في جمع المصادر والمراجع لتأليف هذا الكتاب.
جيرالد دي غوري
بغداد – 1947
([1]) يعني الأربعينيات من هذا القرن.
جاء في تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) أن جبال الكاف تحيط بالعالم كالإطار ولونها زمردي، وأن اللون الأزرق الذي نشاهده في السماء هو انعكاس لون الزمرد، وهناك مكانان مسكونان في كاف وهما سابوكا وجابولسا والساكنون فيهما لا يعرفون حتى اسم (آدم) ويعيشون عراة ويأكلون الأعشاب. ولا يريدون أطفالاً لأنهم جميعاً من الذكور. ويقول البعض: إنهم يعيشون حيث تغيب الشمس وإن الإسكندر المقدوني (ذو القرنين) كان يتعين عليه أن يواصل السير أكثر من شهرين في الظلال حتى يصل إلى تلك الأرض.
وثمة جبال وسط الجزيرة العربية اسمها جبال كاف. وربما نشأت قصة السكان الذكور عن روايات الرحالة قبل الإسلام حول عادة العرب آنذاك وأد الإناث عند ولادتهن، أو ربما نشأت القصة بسبب غياب معظم الذكور كهولاً وشباباً طيلة ستة أشهر وعلى نحو سنوي في الجزر المواجهة للساحل الجنوبي لحصاد شجر اللبان وتصديره إلى هياكل ومعابد الشرق.
كانت القوافل الكبيرة منذ أقدم العصور تنطلق من المناطق الغنية ببخور اللبان في الجنوب، نحو الشمال(1) ولم تقتصر تجارتهم على المر واللبان، بل كانوا يتاجرون أيضاً بالحجارة الكريمة والقرفة والبهارات والسلع الكمالية من الهند والعبيد من الحبشة وكل ما يمكن أن يثير اهتمام الشعوب الغربية. وقد ازدهرت في جنوب الجزيرة بعض المدن التي بنيت فيها الهياكل مثل (شبوة) كما بنيت هياكل أخرى لآلهة الشمس في الجزيرة (سو قطرى) في المحيط الهندي قبالة القرن الإفريقي (وهي تابعة الآن للجمهورية اليمنية).
كانت المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من الجزيرة العربية بمثابة المحطة الرئيسية التي تصل بين الشرق وبين أسواق الغرب وهذا ما جعلها تزدهر باطراد وهو ما أدى إلى ظهور الممالك. وكانت قوافل الجنوبيين تضطر لاجتياز الوديان والسهول على طول ساحل البحر الأحمر وتعبر في طريقها الطويلة والشاقة جبال الحجاز.
وإذا امتطى الرجل جملاً عربياً أصيلاً وسريعاً فإنه لا يستطيع الوصول من عدن المطلة على المحيط الهندي إلى غزة المطلة على البحر الأبيض المتوسط في أقل من شهر، وهذا يعني أن القوافل التي تتحرك ببطء كانت تستغرق في نفس الرحلة زهاء ثلاثة أشهر، إذ لا بد من التوقف في محطات معينة للراحة وتغيير الجمال المرهقة بأخرى وإعادة تحميل البضائع. ويبلغ ارتفاع السلاسل الجبلية من الشمال وحتى الجنوب أكثر من عشرة آلاف قدم. أما في المنطقة الوسطى فلا يزيد ارتفاعها عن ثلاثة آلاف قدم فوق سطح البحر، وإلى الشرق منها ثمة سهول ومراع صالحة لحياة البداوة.
وهذه المنطقة المتوسطة قريبة من مضارب القبائل العربية التي كانت تزود قوافل التجار بالأدلاء (مفردها دليل وهو الذي يعرف مسالك الطرق في الصحارى والسهوب) من جهة والجمال النشيطة من جهة أخرى، وإذا كان هذا القرب مفيداً للقوافل العابرة فقد كان يثير الذعر في أصحابها لما عرف عن البلاد من الضراوة وشظف العيش، ولم يكن ثمة وسيلة لتجنب نهب القوافل إلا بعقد اتفاقات بين التجار وشيوخ القبائل يدفع بموجبها التجار أتاوة معينة… وفي منخفض من هذه المنطقة الجبلية ذات الطبيعة القاسية يقع الحجاز الأوسط. وعلى مسيرة عدة أيام باتجاه الشمال تنحرف الطريق الجبلية نحو البحر حيث لا ترى سوى تلال متجهمة كابوسية المنظر، وأخاديد ممتدة كالمتاهات. وفي أرض واطئة منبسطة تحيط بها الجبال تقع مدينة مكة (المكرمة). والطقس في مكة دافئ حتى في الشتاء أما في الصيف فإن العرب أنفسهم لا يطيقون حرارته.
وإلى الشمال والشرق من الحجاز تمتد أراضي الحماد وبعض المراعي التي تعيش فيها القبائل التي اعتادت على الغزو والسلب. والطقس في هذه السهول جاف وحار، وفيها بعض الينابيع والآبار. أما البحر في محاذاة الشاطئ فينطوي على أخطار لكثرة الصخور المرجانية الضحلة، أما الإبحار في البحر فلم يفكر فيه أحد وذلك خشية الرياح القوية التي تهب أحياناً وتقلب الزوارق والسفن الضعيفة.
هناك بالطبع سهل ساحلي لكن رماله ناعمة وشديدة الملوحة تغرز فيها الجمال… وإذا اختار التاجر الطريق الساحلي فستتأخر قافلته كثيراً وربما تنفق بعض الجمال دون أن يستطيع تعويضها. ولعل هذا ما يفسر السبب في اختيار القوافل للطريق الذي يتوسط الساحل والسهل، أي الطريق شبه الجبلي.
إن بلاد الحجاز هذه جزء من التشكيلات العجيبة لسطح الكرة الأرضية، إنها أرض جرداء تتخللها بعض الينابيع الصغيرة التي تحيط بها أشجار النخيل حيث يستطيع الإنسان الاستقرار. وكل خمسين ميلاً تقريباً سواء في الوديان أو السهل تشاهد دوائر ومرتفعات من الحمم البركانية الناشئة عن براكين قديمة خمدت، وتشاهد صخوراً بازلتية من مختلف الأحجام سواء في السهل أو في سفوح التلال، سوداء كالحديد وكانت هذه الصخور البازلتية تثير ذعر العرب في الماضي لأن البراكين كانت ما تزال ناشطة آنذاك.
وفي هكذا بلاد لا بد من أن يعاني الإنسان توتراً وحدة في الطبع سواء بسبب المناخ أو المناظر المتجهمة المحيطة به وبالتالي يسعى لاسترضاء عناصر الطبيعة والتكيف معها ثم يصبح عبداً لعدة آلهة وطقوس مختلفة. وقبل أن تصبح مكة مأهولة بالسكان ومحطة على طريق القوافل. كانت مثل شقيقتها مدينة الطائف على حافة الهضبة ملجأ آمناً وهيكلاً مقدساً.
ويقول المؤرخ العربي (الأزرقي): إن مكة بدأت كمكان مقدس. فذات يوم لاحظت قافلة تعود لقبيلة بني جرهم الجنوبية نبع ماء لم يسبق لأحد منهم أن شاهده في تلك المنطقة، فتوقفت القافلة وترجل رجلان عن راحلتيهما وانطلقا لاختبار الماء وتذوقه، فوجدا امرأة وطفلاً إلى جانبها. قالت المرأة: إن اسمها (هاجر) وإن النبع يعود لها ولطفلها… وسمحت هاجر للقبيلة بنصب الخيام والاستقرار في المنطقة، ومنذئذ بدأت قبيلة جرهم استغلال النبع(2) وأطلق على النبع اسم (زمزم) وما زال داخل الحرم المكي(3).
نشأ إسماعيل بن هاجر مع بني جرهم القبيلة العربية الجنوبية وتزوج فتاة جرهمية وكان يعيش على الصيد. ثم حضر إبراهيم (عليه السلام) من دمشق لزيارة زوجته وطفله لكنه وصل أثناء غياب إسماعيل في رحلة قنص. ولان زوجة إسماعيل لم تحسن استقباله فقد ترك له رسالة معها كان على ثقة بأنه سيفهمها وهي: "أن عارضة الباب لم تعجبه" وعاد إسماعيل وفهم الرسالة فاتخذ له زوجة أخرى من بني جرهم، وقد رضي إبراهيم عنها في زيارته الثانية. وفي زيارته الثالثة وجد ابنه إسماعيل(4) يبري ويسن السهام قرب بئر زمزم وقال له: إنه يتعين عليه أن يبني بيتاً لله حتى يكسب مرضاته، فاختار مرتفعاً من الأرض وبنيا عليه البيت. وقام (تُبَّع أسد الحميري) وهو شخصية تاريخية كان ملكاً على اليمن واعتنق شعبه اليهودية، بإحضار باب لبيت الله في مكة وأقفال لإغلاقه كما أن الملك جبريل أحضر الحجر الأسود له، وكان الحجر من جبل قُبيس الذي يشرف على مكة مباشرة، وكان فاتح اللون يتوهج آنذاك(5) (ولم يصبح أسود إلا بعد أن تسببت عجوز باندلاع حريق بعد أن قلبت مبخرة مشتعلة في أيام الجاهلية) ثم إن قبيلة قريش التي خلفت بني جرهم في مكة أعادت بناء البيت. وكان يغطى عادة بالجلود غير أن الحجاج الأثرياء فيما بعد كانوا يخلعون ملابسهم الحريرية في صباح يوم النحر ويقدمونها لحراس البيت حتى يصنعوا منها كسوة (غطاء) لها.
وحسب ما يقوله أبو الفداء كان ثمة تمثال لإبراهيم عليه السلام في مكة، وكان ثمة تماثيل ونصوص أخرى عن قصة إبراهيم (عليه السلام) في مكة، لكن ذلك التمثال كان الأهم بينها.
بينما يقول المقدسي: إن التماثيل كانت موجودة في الأيام المبكرة لبني جرهم في مكة، حيث اعتاد رجال القبائل والمسافرون شراء تلك التماثيل والطواف بها حول بيت الله ثم حملها إلى بلادهم كما أن بعضهم كان يأخذ قطعاً صغيرة من الحجر الأسود حجر بيت الله (الذي بناه إبراهيم) وكانوا يطوفون حول البيت بخشوع… وهكذا بدأوا يعبدون الحجارة بالتدريج. ويضيف المقدسي: "ثم نصبوا الأصنام وعبدوها".
وتوالت الأيام، وازداد تردد رجال القبائل والمسافرين العابرين والقوافل، على مكة حيث كانوا يجدون فيها أو يتركون فيها شيئاً من معتقداتهم وشعائرهم حتى أصبحت بمثابة معبد أو مجمع آلهة. كانت اليهودية منتشرة في اليمن وخاصة في نجران التي ما يزال فيها عدد من اليهود، وفي خيبر والمدينة في الحجاز إلى الشمال والجنوب من مكة على التوالي. واعتنقت عدة قبائل من ربيعة الديانة المسيحية وخاصة في شرقي الجزيرة العربية ودومة الجندل في الشمال ثم جاءت المسيحية أيضاً إلى اليمن من الحبشة عبر البحر الأحمر. لكن معظم القبائل وسكان الواحات في قلب الجزيرة العربية كانوا وثنيين يبجلون ويعبدون اله القمر (ود) أكثر من إله الشمس. وما زال بعض الأعراب حتى يومنا هذا(6) يعتقدون بأن القمر هو الذي ينظم حياتهم وأنه هو الذي يكثف بخار الماء ويحوله إلى مطر ويصفي الندى في المراعي، وأنه بالتعاون مع الثريا يجلب المطر. ومن ناحية أخرى يعتقدون بأن الشمس وهي آلهة أنثى معروفة في المستوطنات الزراعية تنزع إلى تدمير حياة البدو والحيوانات بلا استثناء وأنها قاسية وصارمة. وهكذا كانت قبيلة كنانة تعبد القمر و (الدبران) أما قبيلتا لخم وجرهم فعبدتا المريخ بينما عبدت بنو أسد عطارد، وعبدت القبائل الأخرى نجوماً أخرى. ومع ذلك كان معظم العرب يؤمنون بأن الموت لا ينهي كل شيء وقلائل منهم آمنوا بالبعث (القيامة) وأن الروح تغادر الجسد على شكل طائر أطلقوا عليه اسم (الهامة) أو (الصدى) وتزور قبر صاحبها وهي تتأرجح وتتشقلب وتطلق أصواتاً مروعة تخبر الميت بواسطتها بكل ما يفعله أولاده من بعده. لكن ثمة حقيقة مؤكدة وهي أن العرب منذ أقدم العصور كانوا يؤمنون بأن ثمة إلهاً واحداً مسيطراً ومهيمناً على العالم وأن ألهتهم الخاصة مجرد واسطة للشفاعة لهم عنده.
إن أحد أوائل الأوروبيين الذين وصفوا ساحل البحر الأحمر الشرقي وذكروا قدسية مكة هو ديودورس الصقلّي حيث يقول: "لا يوجد على هذا الساحل سوى موانئ قليلة بسبب الجبال الشاهقة الممتدة على طوله ذات الألوان الزاهية والمتنوعة التي تبهج أنظار المسافرين. وثمة نتوءات صخرية كثيرة داخل البحر. أما بعد هذا الشاطئ الجبلي فثمة بلدات وقرى يسكنها عرب يسمون الأنباط الذين يملكون أراضي شاسعة على طول الساحل الشمالي وفي عمق الأراضي إلى الشرق والشمال وهذه المنطقة مزدحمة بالسكان الذين يمتلكون قطعاناً وافرة من الماشية. وكان الأنباط يعيشون بسلام وسعادة وقانعين بما لديهم من مواش. لكن بعد أن سمح ملوك الإسكندرية للتجار بالإبحار في البحر الأحمر؛ فإنهم لم يكتفوا بسرقة الأنباط وحطام السفن على الساحل بل تحولوا إلى قراصنة أيضاً وصاروا يهاجمون السفن الأخرى المبحرة في هذا البحر… وفي وقت لاحق بنى الأنباط أسطولاً قوياً استطاع أن يدمر سفن القراصنة في البحر ويعاقبهم على الشرور التي ارتكبوها"(7).
ويصف ديودوراس بعد ذلك شعباً آخر يطلق عليه اسم (البيرومينيين) ويقول: "إن هذا الشعب يعيش على صيد الحيوانات المفترسة وثمة هيكل مقدس يحظى بإجلال كبير بين كافة العرب".
أما هيرودتس(9) فيقول: إن العرب يعبدون (أوروتال) وأليلات (لعلها اللات المترجم) وأن أوروتال هو باخوس(10) واليلات هي أورانيا. وأوروتال هو الله بينما اليلات (أو اللات) فمركزها في الطائف على حافة الهضبة ليس بعيداً عن مكة باتجاه الشرق. ويصف كيفية الارتباط بالقسم أو التوحيد بين عربيين وهي مراسم ما زالت قيد الممارسة في أوساط بعض القبائل(11) على النحو التالي:
"عندما يرغب رجلان أن يقسما على توثيق الصداقة بينهما يقفان إلى جانبي رجل ثالث يقوم باستعمال حجر حاد بجرح رسغيهما باتجاه باطن الكف ثم يأخذ قطعتين صغيرتين من ملابسهما ويغمسهما في دم كل منهما ويعلّم بالدم سبعة أحجار لا بد من وجودها قبل هذه المراسم ثم يدعو كلاً من باخوس وأورانيا".
ويضيف هيرودتس: "أن العرب يقدسون ويحافظون على هذه الشعائر أكثر من أي شعب آخر. وإذا مورست هذا الشعائر في مكة نفسها فإنها تصبح أشد إلزاماً".
هذه بعض اللمحات القليلة التي وردتنا عن مكة وعبادة العرب السخيفة في تلك الأيام. وكان بطليموس (الفلكي الإسكندراني) يسمي مكة (المكربة أو الماركورابا) وتعني (المكان المقدس) بلغة السبئيين (نسبة إلى سبأ) الذين سيطروا على جنوب الجزيرة العربية والتجارة العربية في الألف الأول قبل الميلاد.
وكان العرب يحجّون إليها كل عام في وقت معين وهو الخريف. وقد تمت اتفاقات متبادلة بين القبائل العربية بحظر القتال خلال فترة الحج. ولعل الأسماء العربية للأشهر المستعملة قبل الإسلام وما زالت، تثبت ذلك. إذ إن من بينها شهر (محرّم) الذي أتفق على حظر القتال فيه، وثمة نقطة جديرة بالملاحظة هنا وهي أن الأشهر العربية (القمرية) كانت تتسق مع أشهر النظام الشمسي لأن العرب اعتادوا على إضافة عدة أيام للسنة القمرية حتى تتطابق مع السنة الشمسية ثم جاء الإسلام ومنع إضافة أي يوم إلى السنة القمرية.
وعندما كان الحجاج يقتربون من بيت الله (أو الكعبة) في مكة، يخلعون ملابسهم كلها بلا استثناء ويسيرون عراة، إشارة إلى الرضوخ والذل بين يدي الله ويطوفون حول الكعبة ويقبلون الحجر الأسود ويسعون (هرولة) بين الصفا والمروة ويرجمون الحجارة قرب (مِنى) وبعد ذلك يضحّون بشاة تماماً كما يفعل الحجاج هذه الأيام.
وجاء الرسول العربي r وثبت هذه المناسك لكنه أمر بارتداء مئزر من الكتان، وذمّ عادة الوثنيين (في التصفيق بالأيدي والتصفير بواسطة وضع اصبعين أو أكثر بين الشفاه) وانتقد هذه العادات البالية واستعاض عنها بطريقة منتظمة للدعاء في أثناء الطواف (لبيك اللهم لبيك… لا شريك لك لبيك الخ). وحتى أيام الرسول كانت العادة شائعة في ذهاب الرجال عراة عند الفجر إلى الكعبة المغطاة بالجلد لممارسة شعائر طلب الغفران التي كانت تنتهي بنشوة من الابتهاج والسرور تحت شمس الظهيرة. وما زالت العادة شائعة حتى الآن بالدعاء لكل من يعلن عزمه على الحج: (غفر الله ذنوبك).
ومع أنه بشر بدين جديد، لكن الرسول محمداً r احتفظ بمناسك الحج بعد تعديلات طفيفة عليها كركن من أركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والصلاة والصيام والزكاة والحج. وجاء في القرآن الكريم: إن أول بيت وضع للناس للذي بمكة مباركاً وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين(12). وجاء في سورة التوبة الآية 28: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله" والسنة المذكورة هنا هي السنة الثامنة للهجرة. وتم بعد ذلك تحريم دخول غير المسلمين إلى مكة، وقبل ذلك كان باستطاعة أي إنسان مهما كان أصله أو دينه التردد على مكة كما يشاء باستثناء أن النساء في الجاهلية كن لا يترددن على الكعبة لعدم حاجتهن إلى أو ملاءمتهنّ لذلك، فالرجال الذين يغامرون ويذهبون في رحلات القنص أو قوافل التجارة يخطئون ويرتكبون الخطايا وبالتالي فهم أجدر بطلب الغفران. أي أن الحج في أيام الجاهلية كان شأنا يقتصر على الذكور.
ولم تكن المرأة آنذاك ترتبط بزوجها أو سيدها بموجب نظام الزواج الذي كان يسمى (زواج بعل) الذي شاع في الجزيرة العربية قبل وقت قصير فقط من الإسلام، وحتى إذا ارتبطت المرأة بزوجها أو سيدها فقد كان النظام القديم وهو أكثر حرية بالنسبة للمرأة وما زال قيد الممارسة. وكانت المرأة بموجب النظام القديم تظل في قبيلتها وتحتفظ بأطفالها الذين ينضمون إلى قبيلتها أي أن الزواج كان اتحاداً مؤقتاً تستطيع فسخه بمشيئتها متى أرادت. وعندما صدع محمد r بتعاليم الإسلام بدأت الزيجات المؤقتة تختفي بالتدريج وصار ينظر للمرأة التي تقبل الزواج المؤقت على أنها ساقطة ومع الزمن اختفت الزيجات المؤقتة إلا في القبائل الوضيعة. وكانت المرأة المكّية ذات الحسب والنسب تفتخر وتباهي بعذريتها أما القيود التي كانت تفرض على السبايا والجواري من قبل سيدهن فقد كانت الزوجة نفسها تقبلها كعلامة أو مؤشر على شرف وشأن ومكانة الزوج(13). ويعود هذا التحول بلا ريب إلى تأثير العادات والتقاليد التي دخلت إلى الجزيرة العربية من الشمال والعالم المحيط التي أصبحت معروفة للعالم عن طريق التجارة، بل إن عدداً من الغرباء استوطنوها. إن مقولة (الولد للفراش) التي ما زالت شائعة تعود إلى تلك الأيام القديمة أي إلى مرحلة الزيجات المؤقتة(14). وإن كان الزواج المؤقت ما زال شائعاً بين الشيعة العرب ومعظم الشيعة في العالم الإسلامي، ويعرف الزواج المؤقت (بزواج المتعة( ويجيز للرجل أن يتزوج إلى فترة مؤقتة وغالباً ما يمارسه الحجاج والبحارة وأصحاب القوافل وأي شخص لا يصحب معه زوجته في رحلاته الطويلة ومهما كانت نظرتنا اليوم إلى هذا النوع من عقود الزواج، فقد كان شائعاً طيلة قرون، وهو أصل نظام الفروسية والشهامة الذي ظهر في العالم العربي وأخذه الغرب عن العرب. أما الزواج بموجب نظام بعل (أي الزواج الدائم أو غير المؤقت بفترة زمنية على الأقل) الذي يعتبر الرجل سيداً فهو الذي أدى إلى ظهور نظام (الحريم) بالتدريج، وعندما ندرس (نظام الحريم) ينبغي أن نتذكره بأنه لم يظهر إلا بعد الأخذ بشكل أجنبي أو صيغة أجنبية من الزواج تبين في سياق الزمن حسب الظروف الموضوعية آنذاك أنه لا يشبع غريزة الرجل كما أنه أعجز عن تنشئة الأطفال وتربيتهم تربية كاملة. ومهما كان الأمر فقد كان نظام الزيجات المؤقتة الذي يسمح للمرأة في البقاء وسط عائلتها وقبيلتها هو الذي أوجد نظام الفروسية العربي، وكان الشعراء العرب قبل الإسلام يتغنون ويمتدحون الفرسان الرحالة الذين يجوبون الصحراء ومغامرات أولئك الفرسان. وقبل الإسلام وحتى في سنواته الأولى أي قبل شيوع نظام الحريم. ثمة قصص عن نساء جميلات وحكيمات اضطلعن بأدوار مهمة في الحياة بل إن بعضهن حكمن مدناً ودولاً.
إن الفزعة أو النخوة (بمعنى حماية الآخرين وتوفير الملاذ لهم) هي جوهر نظام الفروسية. وهكذا لم يقتصر السعي للأمان بالذهاب إلى مكة. طالما أن كل رجل يستطيع أن يتعهد لرجل آخر بالدفاع عنه عند الحاجة وهنا يصبح شرف الرجل المتعهد قيد الاختبار، إذ إن دفاعه عن الرجل الآخر وحمايته قد يكلفه حياته حتى ولو كان الرجل الآخر غريباً أو غير جدير بهذه الفزعة. وكل شيخ قبيلة يمنح حمايته لشخص أو عدة أشخاص (سواء كانت قضية الشخص أو الأشخاص عادلة أم غير عادلة) يتعين عليه الالتزام بتعهده الأخلاقي هذا ثلاثة أيام يبذل وسعه خلالها لمساعدة الشخص الذي لجأ إليه على الهرب دون أن يلحق به أذى.
وكان كل نبيل من نبلاء العرب يحافظ على خيمته الجلدية المستديرة ذات اللون الأحمر كرمز للفروسية. إنها الخيمة القبلية التقليدية لاستقبال كل من الضيوف واللاجئين (أو اللائذين بحمى شيخ القبيلة)(15).
ولعل الصندوق الذي اعتادت قبيلة (الرولة) على وضعه فوق جمل وقد استمروا في هذه العادة إلى عهد قريب هو تراث مباشر للملاجئ (أو الملاذات) القبلية وهي الخيام المستديرة الحمراء التي كانت شائعة في الصحراء العربية أيام الجاهلية وما زال عرب الرولة يعيشون في البادية السورية لكنهم تخلوا عن هذه العادة مؤخر(16). وكان نبلاء قبيلة قريش التي استولت على مكة من بني جرهم يعتزون ويتفخرون بمؤشرات الشرف والقدرة هذه وينصبونها إلى جانب خيامهم الخاصة كدلالة على قدرتهم إغاثة الملهوف وحماية الخائف.
هكذا كانت بعض عادات العرب القدماء الذين كان حجاجهم يسيرون حفاة باتجاه مكة فتمتلئ بهم الشعاب والوديان ويزداد عددهم من منطقة إلى أخرى ومن قبيلة إلى أخرى، حتى يصلوا إلى الكعبة على أمل غفران خطاياهم والاستمتاع بمناسك الطهارة والإحرام في الملاذ أو الملجأ الكبير وهو مكة. وكان العرب يهتمون كثيراً بهذا الاجتماع السنوي والقيام بشعائر استرضاء قوى الحياة بالطواف عراة أمام الآلهة، يقبلون الحجر الأسود وغطاء الكعبة الجلدي ويحرقون كميات من بخور اللبان ذي الرائحة الطيبة، ولأن أشكال الآلهة متعددة وأهميتها متراوحة فقد كان ثمة أشياء كافية لسرور ومرضاة الجميع.
كان موسم الحج عادة في الربيع كما سبق أن أسلفنا أي عندما كان البدو مضطرين لغرسال قوافلهم إلى الأسواق لشراء ما يلزم لهجرة الشتاء بحثاً عن المراعي وكان ثمة سوق يقعد على نحو سنوي (عكاظ) بين الطائف ومكة تشارك فيه كافة القبائل العربية، وعكاظ في الواقع واحة من النخيل. وكانوا في سوق عكاظ يلهون ويروحون عن أنفسهم قبل موسم الحج بإلقاء القصائد. بينما يأتي التجار ببضائعهم من الوديان والسهول المجاورة وخاصة وادي (المر) إلى الشمال من مكة الذي يعرف الآن باسم (وادي فاطمة)، ومن حقول الطائف نفسها ومن ميناء الشعيبة الذي أصبح اسمه ميناء جدة(17). ولا يوجد أي ذكر لوجود ملاذ أو ملجأ في عكاظ. وكل من يحاول البحث عن سبب آخر غير ما أوردته القصص العربية عن استخدام مكة كملجأ وملاذ ومكان مقدس فلن يعثر على شيء ذي أهمية.
وتنطوي الأساطير العربية على جزء كبير من الصدق وغن كانت مطلية ببعض المبالغات وذلك للتخلص مما قد لا يبدو مستساغاً أو مفهوماً للأجيال اللاحقة. فعندما بدأ تاريخ مكة كانت مجرد هيكل وثني وملجأ ولم يكن فيها مقيمون أو سكان على نحو دائم، بل كان الإنسان العربي يخشى أن يبني فيها بيتاً ويمتنع عن قطع الأشجار خشية الإضرار بقدسيتها ولاقتناعه بأن الآلهة ستعاقبه على ذلك.
وفي هذه المرحلة الأخيرة كان تجار عدن وجنوب الجزيرة يضطرون للانتقال إلى مكة نتيجة فقدانهم لاحتكار وسطائهم في التجارة مع الهند والكساد الذي تعرضت له تجارة بخور اللبان وتردد أو عزوف الغرب عن التجارة مع بلاد لا تستورد منه مقابل تصديرها له. لكن الغربي على أي حال كان ما يزال بحاجة إلى الذهب العربي والجلود العربية لتحويلها إلى معاطف للمحاربين وسروج وتجهيزات للخيل وكان الغرب كذلك بحاجة إلى الجمال التي نقلها المسؤولون عن تموين الجيوش البيزنطية والرومانية قبلهم إلى شمال إفريقيا. وهكذا أصبح الحجاز بحاجة إلى إعادة تنظيم وبسرعة، خاصة أن الحبشة (أي مملكة أكسوم) بدأت تسير السفن التجارية في البحر الأحمر. وسواء أدرك المستوطنون الجدد في مكة أو لم يدركوا الوضع المتردي الذي ينتظرهم في ظل تلك الظروف غير المواتية، فقد بدأوا في تنظيم وتسيير قوافلهم بمهارة فائقة. وكان أكثر ما يخشاه أصحاب القوافل مخاطر الطريق، ولذلك كانوا ينيطون مهمة قيادة القوافل برجال أشداء لهم أقارب بين البدو وعلاقات قوية مع شيوخ القبائل. وكان أولئك الرجال في ضمانتهم لمرور القوافل بشكل آمن يتصرفون أو يمثلون إلى درجة ما شركات التأمين الراهنة. أما حلفاؤهم من البدو وأقاربهم في الطريق التي تسلكها القافلة فقد كانوا يمثلون ما يعرف الآن بإعادة التأمين (أو تأمين التأمين)… كان أقارب القوافل يفقدون شرفهم إذا ما تعرضت القوافل لأي اعتداء.
وفي تلك الأثناء استخدم التجار حراساً من الأحباش لحماية قوافلهم، كما استخدم التجار في مكة وخاصة في حي البطحة أحباشاً سود البشرة كحراس وخدام وأصبح الحراس الأحباش مثل الحراس السويسريين في فجر العصر الحديث (والمعروف أن الحرس البابوي في الفاتيكان ما زال حتى يومنا هذا من السويسريين الجبلين الذين اشتهروا بالبسالة والإقدام – المترجم -) ووصف الشعراء العرب الحراس والخدام الأحباش بأنهم (غرباء العرب) (وأن الواحد منهم منتصب كالرمح الثابت في اليد) ووصفهم عربي بقوله: "هذه الآلاف من الجنود السود كالرعد في السماء… إن صيحاتهم الحربية وحدها تصم آذان الخيول وتوقف زحف العدو" وقال آخر في معرض ذمه لتجار مكة: (إنكم ترسلون الزنوج ذوي الأكتاف العريضة للقتال بدل أن تقاتلوا بأنفسكم) لكن الزنوج يختلفون عن الأحباش لأنهم من العبيد الإفريقيين الذين تم نقلهم إلى مكة عن طريق الحبشة أرض العاج والعبيد(18).
في الصيف تنطلق القوافل إلى سورية وفي الشتاء إلى اليمن. ومن الصعب الآن أن نتخيّل مدى اهتمام الغرب وانبهاره بالجزيرة العربية ومنتجاتها، كانوا ينتظرون بصبر نافذ الشحنات السنوية من غبار الذهب (لعله يريد التِّبْر) ع وأنواع العطور والبخور واللبان والعبيد الزنوج والجلود والعاج والتين الشوكي المجفف وغير ذلك.
وفي تدمر أقيمت التماثيل عرفاناً وإعجاباً ببعض قادة القوافل العربية، وعندما كانت القافلة تقترب من محطتها الأخيرة كان قائدها يرسل أمامه مبعوثاً إلى المدينة فيستقبله السكان بقرع الطبول ويحتفلون به. وكان اختيار المبعوث الذي يبشر بوصول قافلة سالمة من الجزيرة العربية يعني اختياره مدى الحياة أي امتهانه هذه المهنة مدى الحياة.
أما إذا كانت الأخبار غير سارة فعلى العكس من ذلك، ففي محاولة من البعوث لتدارك العقوبة كان يقطع أذني بعيره لينزف الدم منها ثم يشق ملابسه من الأمام والخلف ويقلب سرجه. وعند اجتيازه طرقات ودروب المدينة يكرر الصراخ بأنه فقد كل شيء. بمعنى أن القافلة تعرضت للسلب. وكان التجار الحكماء الذين يملكون مخزوناً من البضائع المخبأة سيربحون بلا ريب ويستطيعون احتساب أرباحهم والبهجة تملأ قلوبهم مع ارتفاع الأسعار.
كان سترابو مؤرخ الحملة الرومانية الاستكشافية في جنوب الجزيرة العربية عام 24 ق.م قد شاهد قافلة مكية لدى وصولها إلى البتراء وقارنها بالجيش لضخامتها. ويتحدث المؤرخ الطبري عن قوافل كانت تضم أكثر من ألفي جمل، وكانت القوافل في تلك الأزمنة تدخل الأراضي البيزنطية عن طريق ميناء أيلات (أيلة)(19) على خليج العقبة حيث كانت تقيم فيه مفرزة من الجيش الروماني العاشر في أثناء الاحتلال الروماني لمنطقة الأنباط العربية منذ عام 105م. ثم أصبحت أيلات بعد ذلك مدينة حدودية بيزنطية ذات أهمية وفيها أسقفية، وكان رعايا الأسقف يقيمون في مناطق تبعد عن إيلات. وثمة صوامع وأبرشيات في وادي القرى الذي كانت تجتازه القوافل العربية وقد اشتهر المقيمون في تلك الأديرة والصوامع بترحيبهم واستضافتهم للعابرين، سواء كانوا بدواً أو تجاراً، إذ يقدمون لهم الماء من أبارهم بالإضافة إلى النبيذ، كما كانت أضواء الفوانيس الباهتة المنبعثة من نوافذ الصوامع والأديرة بمثابة دليل للقوافل فضلاً عن كونها عامل تشجيع وأنس من وحشة الطريق.
وبالقرب من أيلات (العقبة) أو البتراء نفسها سابقاً، تنقسم القوافل، فالقوافل المتجهة إلى غزة تتجه إلى الغرب والقوافل المتجهة إلى دمشق تواصل طريقها نحو الشمال باتجاه بصرى والمزيريب في حوران. وفي غزة ودمشق تبرك الجمال لإنزال الأحمال عن ظهورها وهي تشخر معبرة عن استيائها لأنها تكون عند ذلك قد بركت في فترات متقطعة زهاء خمسين أو ستين مرة منذ انطلاقها من مكة، ولم تتقل خلال ذلك ما يكفيها من طعام، كما لم يسمح لها بالرعي فضلاً عن الأحمال التي تنتظرها لتعود بها إلى مكة وغالباً ما تكون: زيت الزيتون والحبوب والنبيذ، والأسلحة والدروع، وبعد أيام يكون الحراس الأحباش والعبيد والزنوج والمرتزقة والتجار المغامرون والكتبة اليونانيون والأدلاء البدو بملامحهم الصارمة ووجوههم السمراء وحتى الجمال، يكونون على استعداد لرحلة العودة إلى الأرض الموحشة والمقفرة التي تثير الخيال، وتنطلق القافلة في اليوم مدة ساعتين على الأكثر لتتوقف وذلك حتى يلحق بها من تأخر لبعض أشغاله أو حتى يعود رجال القافلة لاسترداد الأشياء التي نسوها. وكانت القافلة تنطلق ليلاً والقمر بدر حتى يعرف المسافرون والحراس بعضهم بعضاً ويعرف الجنود وحداتهم ويستطيع المسؤولون إعادة حزم الأحمال وتثبيتها فيما إذا انزلقت عن ظهور الجمال وعندما تتوقف القافلة بعد ساعتين من السير في اليوم الأول تكون قد ابتعدت عن المدينة فيعاد تنظيمها بحيث أن الجمال التي تعود لكل تاجر تصطف خلف بعضها ويعاد ترتيب وتوزيع الحراس حول القافلة وفي مقدمتها على أفضل وجه. وبعد التأكد من الجاهزية وعودة المتأخرين يعطي قائد القافلة إشارة معينة تنتقل من حارس إلى حارس فتنصب الجمال على أقدامها وتنطلق في طريقها الطويل. هكذا كانت الأمور منذ أقدم العصور واستمرت كذلك سواء في قوافل الحجيج أو قوافل التجار واستمرت كذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر ليس في الصحراء العربية فقط بل والصحاري الأخرى في العالم أيضاً.
كان ثمة مجلس منتخب من نبلاء قريش يصدر القوانين ويحل المنازعات، لكن بسبب الغيرة كانوا يراقبون بعضهم بعضاً، غير أن طبيعة حياتهم فرضت المفاهيم الديمقراطية عليهم وعلى أجدادهم من قبلهم وذلك في سبيل البقاء. ولذلك تحلّوا بكرم الضيافة وكانوا يتقاسمون على نحو عادل فيما بينهم إكرام واستضافة العابرين، ويؤمنون بحق كل إنسان بالماء وبالطعام إذا جاع، والأهم من ذلك خدمة البيت، وهذه المهمة أو الوظيفة تأصلت فيهم مثل سلوكهم ومواقفهم المباشرة والمستقيمة وعنايتهم بالشعر، من طبيعة حياة الصحراء ومن الهامش الضيق بينهم وبين الموت وقد أوصلوا خدمة البيت منذ فترة طويلة قبل الإسلام. وكان انتهاء تلك القواعد القديمة يعني انتهاك قوانين وقواعد الطبيعة ذاتها.
والتاريخ العربي حافل بالأمثلة عن التواضع، تواضع المكيين حتى بعد أن حكموا ربع العالم المتمدن، كان الواحد منهم لا يجد غضاضة إذا امتطى دليله حصانه أو حتى إذا امتطى عبده حصانه… وقصة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي أتى من الصحراء لاستلام مدينة القدس معروفة حيث كان يتبادل ركوب الجمل مع دليله.
وكان الخلفاء الأوائل يستقبلون سفراء الدول الكبرى آنذاك بملابسهم البسيطة، ويجلسون على الأرض بكل بساطة ويدعون بعضهم بعضاً للصلاة بالأسماء وبيوتهم بسيطة تخلو من أي ديكور أو زينة، وبهذا الأسلوب من الحياة قضوا على الحسد لأنهم كانوا متساوين تقريباً سواء من حيث المظهر والملابس أو البيوت والمنازل. هذه هي التقاليد الديمقراطية التي كانت شائعة بين رجالات قريش المسؤولين عن خدمة بيت الله في مكة. وهي نفس تقاليد الخلفاء الأوائل في المدينة. تواضع يتجدد كل عام في الحج عند الوقوف خشوعاً بين يدي الله.
لكن الخلفاء اللاحقين ابتعدوا عن هذه البساطة وهذا التواضع وتميزوا عن أتباعهم (مواطنيهم) فحدث الانشقاق والانقسام في الإسلام وظهر الخوارج وبعدهم الشيعة وعانى الإسلام كثيراً من هذه الإنشقاقات طيلة قرون. لقد كان الأمويون الذين يتحدثون من أصلاب المصرفيين المكيين والذين خدموا كقادة عسكريين في الجيوش الإسلامية في سورية هم أول من وجه ضربة للبساطة والتواضع العربيين، لكن الزعماء الروحيين أحفاد سدنة الكعبة هم الذين انتصروا في النهاية.
إن واحداً لا يدعيّ هذه الأيام بأنه من أحفاد المصرفي المكي (أبو سفيان) أو أحفاده الملوك الأمويين الذين حكموا دمشق والأندلس كما أن واحداً لا يعرف أين اختفت هذه السلالة. وعلى العكس من ذلك فإن أحفاد سدنة الكعبة وهم أحفاد الرسول محمد (r ) من ابنته فاطمة التي أنجبت الحسن والحسين ما زالوا يحكمون أراضي عربية(20).
* * *
أمراء بني جرهم في مكة
1-جرهم بن جهل 74 ق.م – 44 ق.م
2-عبد ياليل بن جرهم 44 ق.م – 14 ق.م
3-جرهم بن عبد ياليل 14 ق.م – 16 م
4-عبد المدان بن جرهم 16 م – 46 م
5-بكيل بن عبد المدان 46 م – 76 م
6-عبد المسيح بن بكيل
ويعتقد أن اسمه عمرو (وعبد المسيح لقبه) – التاريخ غير مؤكد
7-مضاض الأكبر بن عمرو عبد المسيح 106 م – 136 م
8-عمرو بن مضاض 136 م – 170 م
9-الحارث بن مضاض
10-عمرو بن الحارث(21)
11-بشر بن الحارث
12-مضاض الأصغر بن عمرو بن مضاض 170 م – 206 م
وقبل اختتام الفصل الأول لا بد من تثبيت قصة لم يذكرها مؤلف هذا الكتاب سواء لأهميتها أو طرافتها. فبعد أن انطلق عمرو بن الحارث بن مضّاض الجرهمي بمن معه من جرهم إلى اليمن، حزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزناً شديداً، وبعد أعوام نزل عمرو بن الحارث في أرض الحجاز فضلت له إبل، فبغاها حتى أتى الحرم وأراد دخوله حتى يأخذ إبله. فنادى عمرو بن لحي (زعيم مكة بعد خروج جرهم) "من وجد جرهمياً ولم يقتله قطعت يده" فسمع ذلك عمرو بن الحارث فغادر مكة متخفياً وأشرف على جبل من جبال مكة حيث رأى إبله تنحر ويوزع لحمها فانصرف يائساً خائفاً ذليلاً وأبعد في الأرض وبغربته يضرب المثل ثم قال هذا الشعر الذي يعتبر من عيون الشعر العربي (ونختار هذه الأبيات من القصيدة الحزينة)(22).
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا
كأن لم يكن بين الحجون وإلى الصفاء
ألم تنكحوا من خير شخص علمته
وكنا ولاة البيت من بعد نابت
أنيس ولم يسمر بمكة سامر وصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة
ونطوف بذاك البيت والخير ظاهر صروف الليالي والجدود العواثر
بذلك عضتنا السنون الغوابر فأبناؤه منا ونحن الأصاهر(23)
(1) سفر الخروج 37 – 25: "ونظروا وإذا قافلة إسماعيلية مقبلة من جلعاد وجمالهم حاملة كثيراء وبلساناً ولاذناً ذاهبين بها إلى مصر".
(2) انظر القائمة في نهاية هذا الفصل عن أمراء بني جرهم في مكة وقد بدأت إماراتهم بعد فترة طويلة من أيام إبراهيم (عليه السلام) التي يقدرها السيد ليونارد دولي بأنها تعود إلى ألفي سنة ق.م.
(3) يقول الجغرافي العربي (المقدسي) الذي عاش في القرن العاشر: إنه تذوق ماء زمزم في زيارته إلى مكة فوجده غير مستساغ، لكنه في زيارته الثانية وجد مذاقه ممتازاً. أما الرحالة الذين زاروا مكة بعد المقدسي فتختلف أراء بعضهم عن بعض. فقد كتب علي بك العباسي عن ماء زمزم: "رغم عمق البئر وحرارة الطقس لكنه أشد سخونة من الهواء بل إنه يشبه الماء الدافئ وهو ما يوحي بوجود سبب ما لهذه السخونة في قاع البئر" ويباع الماء للحجاج في أوان خاصة حتى يعودوا به إلى بلادهم أي أنه مثل مياه نهر الأردن بالنسبة للمسيحيين. وزمزم باللغة العربية تعني نوعاً من الأصوات.
(4) ويقول العرب: إن إسماعيل كان أول رجل يروض الخيول البرية.
(5) يعتقد العلماء أن الحجر الأسود من أصل نيزكي (أي أنه جزء من شهاب).
(6) تجدر الإشارة هنا بأن المؤلف يتحدث عن فترة الثلاثينيات من هذا القرن حيث كان الجهل منتشراً على نطاق واسع في الجزيرة العربية.
(7) المكتبة التاريخية لديودوراس الصقلي، الكتاب الثالث الفصل (31) وكان ديودوراس قد توفي عام 57م.
ما زال رجال قبيلة حرب الذين يقطنون حتى يومنا في هذه المنطقة يعرفون بالاسم الذي أطلق عليهم جيرانهم الشماليون وهو (آكلوا الصمغ) لأنهم يعلكون صمغ الشجر ويطعمون جمالهم من أوراق الزنابق التي يؤمنون بأن لها خواص علاجية.
(9) تاريخ هيرودتس، الكتاب الثالث الفصل إصدار رولينسون.
(10) تنمو الكرمة بوفرة في الطائف وما جاورها وكانت الخمر وخاصة النبيذ تصنع هناك في أوائل القرن التاسع عشر. أنظر: ج. ل. بيركهارت وغيره.
(11) نعيد التذكير بأن المؤلف يتحدث عن مرحلة ثلاثينات هذا القرن لكننا مع ذلك نشكك في كلام.
(12) آل عمران الآيات (95، 96)
(13) ل. دي أوليري (الجزيرة العربية قبل محمد) ص 191.
(14) يخطئ المؤلف هنا لأن المقولة مبتسرة وأصلها (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وهي من المبادئ الفقهية التي تدين الزواج المؤقت وتعتبره بمثابة السفاح.
(15) هـ لايمنز (التقاليد في مكة)
(16) يعتقد البروفيسور فيليب حتى في كتابه (تاريخ العرب) أن اصل عادة صندوق قبيلة الرولة ليس له علاقة بخيم الجلد الحمراء التي كانت شائعة في أيام الجاهلية.
(17) كان الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ر) هو الذي أوعز ببناء ميناء جدة عام 646م.
(18) هـ لايمنز (التنظيمات العسكرية العربية في مكة).
(19) أصبح اسمها العقبة وما زالت أما ميناء إيلات الإسرائيلي فكان اسمه (أم الرشراش).
(20) تجدر الإشارة هنا بأن الكتاب صدر قبل فترة طويلة من القضاء على الأسرة الهاشمية المالكة في العراق عام 1958 (تغمدهم الله جميعاً برحمته).
(21) يؤكد ابن خلدون أن عمرو بن الحارث كان زعيماً قبلياً ليس من بني جرهم بل من خزاعة التي أتت بعدهم. وثمة إجماع على أن عمرو بن لحيّ هو أول زعيم لخزاعة التي حلت محل جرهم ويقال: إنه الذي أحضر صنم (هُبل) إلى مكة من سورية أو ربما العراق.
(22) السيرة النبوية، لابن هشام الجزء الأول ص114 – 115.
(23) يعني إسماعيل عليه السلام وذلك أنه تزوج امرأة من جرهم.
|
29 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
حسب التقاليد القبلية المتوارثة شفاهاً عبر الأجيال ينقسم العرب إلى ثلاثة أنواع أو أصناف وهم: العرب العاربة والعرب المتعربة والعرب المستعربة.
العرب المتعربة هم الذين أصبحوا عرباً أما العرب المستعربة فهم الذين أرادوا أن يصبحوا عرباً ومن نافلة القول أن العرب العاربة هم العرب الأقحاح المتميزون.
أما العرب المتعربة فهم عرب اليمن أحفاد قحطان (ويسميه سفر التكوين يقطان) بينما ينحدر العرب المستعربة من إسماعيل (ع) ابن إبراهيم (ع) وقد عاش إسماعيل في الحجاز وهو الذي بنى الكعبة في مكة.
وهكذا فإن نبلاء قبيلة قريش في مكة ينحدّرون من أولئك الذين رغبوا أن يصبحوا عرباً أي من أبناء إسماعيل (ع).
وبنو جرهم الذين حكموا مكة قبل قريش واتخذ إسماعيل له زوجتين منهم كانوا من الشعب الجنوبي من (قحطان) أي من أولئك الذين أصبحوا عرباً، وقد استقروا في مكة كما أسلفنا إلى أن تمكنت قبيلة خزاعة بقيادة عمرو بن لحيّ من التغلب عليهم وإخراجهم من مكة عام 207م بعد هجرتهم من اليمن.
وفي الجزيرة العربية ثمة فرق في الملامح والصفات الأخرى بين الإسماعيليين (أي الذين يتحدرون من إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام) (الذين يسمون أيضاً باسم القيسيين – المترجم) وبين القحطانيين (الذين يسمون أيضاً باسم اليمانيين – المترجم).
وفي الهلال الخصيب الذي يشمل كلاً من الأردن وفلسطين وسورية ولبنان والعراق عدة قبائل عربية تتحدر من الأصلين العربيين: الإسماعيلي (العدناني) والقحطاني (اليماني) لكن من الصعب التمييز بينهم اعتماداً على الملامح. فقد اختلفت الفروقات مع الزمن (وإن كان اليماني عادة أوسع عيوناً من القيسي).
وثمة انطباع توحي به القصص المتناقلة عبر العصور وهو أن العرب نتاج التقاء واختلاط شعبين متميزين، وأن دين التوحيد (الحنفية) الذي صدع به إبراهيم (ع) قد وصل إلى الحجاز، وبعد نكسات تعرض له هذا الدين استقر في مكة وضرب جذوره فيها، غير أن الوثنيين في الجنوب قضوا على الدين الإسماعيلي. (نسبة إلى إسماعيل) بن إبراهيم من هاجر عليهم السلام).
وهكذا يبدو أن بني جرهم وهم أول قبيلة (غير إسماعيلية) هم أول من اعتقدوا دين التوحيد… دين إبراهيم وإسماعيل (ع) لكنهم طردوا من مكة بعد ذلك وعادت الوثنية مرة أخرى لتسيطر على الحجاز وتتجذر فيه رغم انتشار اليهودية وبعدها المسيحية إلى الشمال وإلى الجنوب من الحجاز إلى أن عادت الإسماعيلية بشكل مختلف في مرحلة من التراجع الاقتصادي فحققت نجاحاً كاسحاً وسريعاً.
لقد بُني بيت الله (أو الكعبة) في أيام بني جرهم (وفقاً لما يقوله الأزرقي) فوق مرتفع من الأرض لحمايته من الطوفانات التي كانت تحدث من حين لآخر. لكن لأن الكعبة (المشرفة) الراهنة مبنية في منخفض من الأرض، ولأن الحرم المكي كثيراً ما يتعرض للطوفانات في أيامنا فهذا يعني أحد أمرين: الأول أن يكون الأزرقي غير دقيق في كلامه. والثاني أن يكون الموقع الأصلي للكعبة أيام بني جرهم غير موقعها الراهن… كان بنو جرهم يعيشون على سفوح تلال الجانب الغربي للوادي وقد ابتنوا قلعة بدائية على كتف التل الذي يطل على الوادي، وثمة اعتقاد بأن القلعة الراهنة على جبل الهندي قد أقيمت في نفس موقع قلعة بني جرهم، وإلى الأسفل يتلوى وادي فاطمة (الذي كان اسمه آنذاك وادي المر) ومن هناك يمتد الطريق إلى جدة. وفي الجهة المقابلة لمضارب بني جرهم يرتفع جبل قُبيس الذي اقتلع منه أو وجد فيه الحجر الأسود وتم نقله لتثبيته في الكعبة، وباتجاه الشرق باب أجناد حيث كان يقيم بنو ملكان ومنه تنطلق الطريق إلى اليمن. أما المخرج الثالث من الوادي فيتجه شمالاً نحو جبل عرفات ومكان النحر (تقديم الأضاحي) ويتبين من ذلك أن هذا الوادي الضيق يشكل ملجأ أو ملاذاً طبيعياً لقلة الطرق الموصلة إليه آنذاك.
كانت الكعبة نفسها في الأصل مكعباً بسيطاً (وجذر كعبة – كعب. والمكعب في اللغة الإغريقية يعني كوبوس بينما يعني باللغة الإنكليزية كيوب) وكان ثمة كعبة في صنعاء – اليمن تنافس كعبة مكة لبعض الوقت. كما كان ثمة حجر أسود ينافس حجر الكعبة في البتراء. أما مدينة الطائف وغيرها من الأماكن فكانت تحتوي على العديد من الأصنام. وكانت جرهم ومن تلاهم يعيدون بناء الكعبة من حين لآخر ويضيفون تحسينات عليها ويسقفونها ويغطونها بجلود الحيوانات التي يضحي بها الحجاج كما صنعوا لها باباً خشبياً. وفي عام 207م استطاعت قبيلة خزاعة طرد كل من بني جرهم وبني ملكان في ظروف غير معروفة وفي عام 400م استطاعت كنانة من قبيلة قريش وهي أصل كافة أشراف مكة أن تطرد خزاعة وتحل محلها، وبذلك أصبح القرشيون سدنة البيت ومن قريش تحدر الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء في دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة وحكام شمال إفريقيا واليمن والعراق والأردن وما زال ثمة فروع قرشية بدوية خارج مكة وثمة فروع استقرت في المدن.
كانت قريش أول قبيلة تزخرف الكعبة وأول من بنى منازل دائمة في وادي مكة ويروي قطب الدين الحنفي كيفية ظهور قريش على النحو التالي : ,, كانت خزاعة تحكم مكة وتحرس الكعبة بذكاء ودونما ادعاء أو غرورقد يعكر علاقاتها مع القبائل الاخرى حتى ظهر قصّي بن كلاب بن مرة وهو أول شخص من كنانة استطاع توحيد قريش وطرد خزاعة ,,. وقد اطلق على قصّي بن كلاب اسم(المجمّع) لانه جمع ووحد أفخاذ قريش. واسم قصي الأصلي (زيد) وقصي لقب لأنه أتى من مكان قصي (بعيد) فقد عادت به والدته الأرملة وهو طفل إلى وطنها في سورية حيث تزوجت مرة أخرى. وعندا كبر قصي تصادم مع أقارب زوج أمه، ولأنه كان يعرف أن أقارب والده يعيشون قرب بيت الله في مكة فقد عاد من سورية للالتحقاق بعشيرته، ورحب به أقاربه.
وكان يحكم مكة آنذاك (حُليل بن حبشية بن سلول الخزاعي) وتزوج قصي من ابنته (حُبيّ) أو (حُيي) وأنجب منها أربعة أولاد وبنتين وسرعان ما أصاب ثروة وأصبح قوياً في مكة، وعندما توفي حُليل أعطى مفتاح الكعبة لابنته حبي فوهبته لأحد أقاربها من خزاعة وهو (ابن غبشان) الذي كان مدمناً على النبيذ واشترى قصي مفتاح الكعبة من ابن غبشان مقابل كمية من النبيذ. غير أن رجالات خزاعة لم يعترفوا بهذه الصفقة واستعدوا لاسترداد المفتاح بالقوة. وكان قصي قد احتاط للأمر مسبقاً واستنفر قبيلته قريش التي هبت معه وطردوا قبيلة خزاعة من مكة.
وتجسد هذه الحكاية كما يبدو بعد إضافة رتوش خيالية، قصة وصول قبيلة نشيطة استطاعت خلال جيل واحد أن تتغلب على قبيلة خزاعة التي ضعفت نتيجة الترف وأن تطردها من المنطقة وتستأثر بمكة وخدمة بيت الله. ومات قصي زهاء عام 490م وكانت الكعبة وما جاورها حتى ذلك الوقت موضع احترام وتقديس لدرجة أن كلاً من سدنتها والحجاج إليها كانوا يغادرون الكعبة والمنطقة المحيطة بها عند الغروب، ولم يكن ثمة من يجرؤ أو يسمح له العيش أو الموت في المنطقة المقدسة المحيطة بالكعبة. فلا يسمح بحفر القبور ولا إجراء مراسم الجنازات في المناطق القريبة من الكعبة، ولم يكن ثمة من يجرؤ على مواصلة زوجته أو ارتكاب أي عمل مشين في تلك المنطقة.
لكن قصي جمع رجالات قريش وأقنعهم ببناء منازلهم في المنطقة المقدسة المحيطة بالكعبة، فامتثلوا لرأيه بعد أن أكد لهم بأنهم سيكونون عند ذلك موضع احترام العرب ولن تجرؤ قبيلة أخرى على مهاجمتهم أو التفكير باقتلاعهم من مكة.
ويقال: إنه كان أول من قطع شجرة من جوار الكعبة ووضع حجراً في أول منزل دائم في المنطقة المقدسة، وتشجّع رجالات قريش وحذوا حذوه، وقد تمّ ذلك على الأرجح عام 480م لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ولد عام 571م تقريباً وكان يمثل الجيل الخامس من أبناء وأحفاد قصي(1).
لقد استأثر قصي بكافة الوظائف والمهمات التي يستدعيها بيت الله بما في ذلك الحجابة والسقاية (أي تقديم الماء للحجاج) والرفادة (أي تقديم الطعام) والندوة (أي رئاسة المجلس) واللواء (أي حق أو صلاحيات إعلان الحرب وتجميع المقاتلين) والقيادة (أي حق وصلاحيات قيادة المحاربين في الحرب).
في زمن ولاية قصي تقريباً كان ثمة هجرة جديدة للقبائل العربية الجنوبية نتيجة لكارثة انهيار سد مأرب في اليمن، فارتحلت بعض القبائل الجنوبية (اليمانية) إلى العراق وبعضها إلى سورية كما زاد عدد المستوطنات العربية في الحبشة وعلى طول الساحل الشرقي لأفريقيا قبل عدة قرون من الإسلام. كانت بدايات مدينة أكسوم التي ما زالت خرائبها وأنقاضها ذات النقوش الوثنية قائمة حتى اليوم، هي نواة الحبشة فيما بعد ويعود تاريخها إلى القرن الميلادي الأول.
ويحق لنا الافتراض بأن التجارة العربية تأثرت كثيراً وعلى نحو سلبي في القرن الميلادي الأول نتيجة اكتشاف الرومان للطريق البحري إلى الهند، وبلغ هذا التراجع التجاري ذروته في القرن الرابع. ثم حدثت الكارثة وانهار سد مأرب ولم يعد بالإمكان إصلاحه بين عامي 542 و 570م، وقد أشار القرآن (الكريم) إلى هذه الحادثة. وتفنّن العرب في سرد الحكايات الخيالية حول انهيار السد في محاولة لتوضيح عملية طويلة من التراجع التجاري والزراعي وما أصاب الحياة الاجتماعية جراء ذلك. ولم يكن ذلك التراجع في الواقع إلا نتيجة دخول السفن الرومانية إلى البحر الأحمر فضلاً عن تأثير الديانات الجديدة والسياسات الخارجية للإمبراطوريات الغربية. إن قصة انهيار السد في الحقيقة هي إعادة رواية تاريخ طويل من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى انحلال وتفكك المجتمع العربي في جنوب الجزيرة.
ويقول فيليب حتى(2): "لقد تجاهل الرواة الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الكارثة لدرجة أن بعض القصص تؤكد بأن جرذاً استطاع أن يقلب حجراً ضخماً في السد لا يستطيع خمسون رجلاً حمله، وهذا هو سبب انهيار السد".
وهكذا يتضح لنا أن ثمة ثلاث أزمات أدت إلى موجات الهجرة: الأولى في القرن الأول الميلادي وكانت معظم الهجرة بحرية إلى الحبشة وساحل إفريقيا الشرقي من جهة وإلى الخليج الفارسي (العربي) من جهة ثانية، وقد استخدم المهاجرون سفنهم التي كانوا يستعملونها في التجارة وبذلك انتهت مرحلة من الازدهار في جنوب الجزيرة لا نعرف عنها الكثير.
وبدأت الهجرة الثانية أواسط القرن الخامس في أيام قصي بن كلاب أي عندما برزت قبيلة قريش كقوة معتبرة في مكة. وفي تلك المرحلة بدأ الإحساس بأن الوسيلة الوحيدة للبقاء هي نقل المركز التجاري في عمق الشمال وذلك لاستغلال الموارد العربية بدل الاعتماد على تصدير بخور اللبان والبضائع الهندية.
أما الهجرة الثالثة فقد حدثت بعد الانهيار النهائي للسوق الخارجي وتزايد الملاحة الأجنبية في البحر الأحمر وظهور وانتشار الإسلام أواسط القرن السابع ثم قيام القوات العربية تحت لواء الإسلام بغزو الأراضي الرومانية ودحر الرومان في كافة المعارك… كان الغزو العربي للرومان بمثابة الفصل النهائي في عملية طويلة بدأت كنتيجة للتدخل الروماني في الحياة الاقتصادية العربية قبل ذلك بستة قرون(3).
ويمكن النظر إلى كل من الإصلاحات التي قام بها قصي من جهة وظهور الإسلام من جهة أخرى كنتائج طبيعية للضغوطات الاقتصادية التي عاناها العرب والصعوبات التي بدأوا يواجهونها في التجارة مع الغرب، وبالتالي محاولتهم بما عرف عنهم من إقدام وخشونة وشدة بأس كسر طوق ما يشبه الحصار الاقتصادي الذي كانوا يعانون منه رغم أن الغرب (الرومان) لم يقصدوا الحصار ويمكن اعتبار الحركة الوهابية صورة مصغرة عما حدث أواسط القرن السابع فقد ظل الوهابيون يهاجمون أراضي الهلال الخصيب حتى تدفق النفط في الجزيرة العربية(4).
كان قصي في شيخوخته حكيماً كما كان في كهولته، وقد نقل صلاحياته (سلطاته) إلى ابنه الأكبر (عبد الدار) على أمل أن يتمكن عبد الدار من ضمانة وحفظ مركز قصي بعد موته، لكن ما إن توفي قصي حتى بدأ أولاده الآخرون يطالبون بحصصهم من فوائد وأرباح حقوق الحج. وقد شهد تاريخ مكة حالات كثيرة كان الوالد يتنازل عن مركزه وصلاحياته لابنه المفضل حتى يضمن احتفاظ ابنه بالمنصب لكن في معظم الحالات كانت هذه الخطط تمنى بالفشل. والحقيقة أن عبد الدار استطاع الاحتفاظ بصلاحيات والده، لكن أولاده فشلوا بعد وفاته في الاحتفاظ بصلاحيات والدهم التي ورثها عن والده قصي، واستطاع أبناء عبد مناف أن يحصلوا على حق السقاية وحق الرفادة من أبناء عمومتهم واستمر الأمر كذلك حتى جاء الإسلام(5).
وكان هاشم قبل ذلك قدم إلى المدينة فتزوج سلمى بنت عمرو من بني عدي ابن النجار فولدت له عبد المطلب وسمّته شيبة، وبعد وفاة هاشم ظل شيبة في المدينة عند إخوانه إلى أن ذهب عمه المطلب وأعاده من المدينة إلى مكة وأصبح اسمه عبد المطلب. وبعد أن توفي المطلب في اليمن انتقلت أمواله إلى ابن أخيه عبد المطلب وتزوج وأنجب عدة أبناء أحدهم عبد الله الذي توفي وهو في مقتبل العمر بعد أن أنجب الرسول العربي محمداً صلى الله عليه وسلم عام 571 تقريباً فنشأ محمد مثل جده يتيما فكفله جده عبد المطلب وبعد وفاته كفله عمه أبو طالب.
لقد توزع أحفاد قصي وظائف الحج فيما بينهم، فبعضهم تخصص في الحجابة وتخصص أبناء عمرو هاشم في السقاية والرفادة وكانوا يعملون في التجارة في نفس الوقت، بينما تخصص البعض في التجارة حصراً مثل أبناء عبد شمس بن قصي الذين أصبحوا من مشاهير المصرفيين ومنهم بنو أمية.
كان أعضاء مجلس (ندوة) ما يمكن تسميته (جمهورية مكة) يغارون من بعضهم بعضاً، وعندما حاول أحدهم وهو عثمان ابن حُويرث أن يزور القيصر ويقترح عليه اتفاقاً لضمانة أمن وسلامة القوافل المكية التي ترتاد دمشق مقابل أتاوة سنوية على أن يعترف القيصر بسلطته (أي عثمان ابن حويرث) على مكة رفض الأعضاء الآخرون هذه الفكرة وقاوموها(6).
في عام 600م تقريباً – أي قبل الإسلام – أعادت قريش بناء الكعبة مرة أخرى ووسعوا الساحة حولها وأعلوا ووسعوا بناءها أيضاً، وقد اتخذوا ذلك القرار بعد طوفان دمر الكعبة جزئياً ودخلت المياه المتدفقة إلى داخلها ولذلك رفعوا مصطبة الباب عن مستوى الأرض وذلك لتجنب تسرّب المياه إلى داخلها في المستقبل. وشاءت الصدف أن تتحطم سفينة إغريقية قرب جدّه وهي في طريقها إلى الحبشة من مصر. فأرسلت قريش أحد رجالها للتفاوض مع صاحب السفينة وشراء أخشاب حطامها وكان ثمة نجار مصري في مكة استطاع بواسطة أخشاب وحبال السفينة أن يضطلع بمهمة تكبير بناء الكعبة ورفع بابها عن مستوى الأرض.
ومنذ ذلك التاريخ أعيد بناء الكعبة وإصلاحها غير مرة لكن حجمها وسعة ساحتها لم تتغير بعد ذلك طيلة (13) قرناً على وجه التقريب.
في ذلك الوقت كان محمد صلى الله عليه وسلم في زهاء الخامسة والعشرين من عمره وقد تزوج أرملة مكيّة ثرية وذكية تدعى (خديجة) واضطلع بعد ذلك بقيادة قوافلها التجارية من وإلى الشمال، وكان يعرف بالأمانة والاستقامة منذ بواكير شبابه شك أن الزواج والنجاح التجاري قد وفرا له وقتاً للتأمل، وانضم إلى حلف الفضول وشارك فيه وأخذ يتردد على غار يقع خارج مكة يدعى غار حراء للتأمل.
كان من شأن قلقه على بضائع التجار الذين عمل معهم قبل زواجه ومن ثم قلقه على بضائعه الخاصة بعد الزواج أن لفت انتباهه إلى الطبيعة غير المستقرة للازدهار في مكة. فقد كانت مكة تعتمد في ثروتها على تجارة القوافل، وكانت سلامة الحجاج تحت رحمة القبائل العصية على السيطرة. ومن تلك القبائل (هوازن) وهم أسلاف قبيلة (حرب) الراهنة. وكانت هوازن على خلاف مع المكيين بل إنها هاجمت مكة خلال السنوات المبكرة من عمره.
أما كيف أن هذا الخطر وغيره من الاعتبارات المادية والروحية قد وجهت تفكيره نحو الإصلاح الديني والعودة إلى دين التوحيد، فإن أحداً لا يعرف ذلك، لكن المؤكد أنه وهو في التاسعة والثلاثين كان قد شكل خطة إصلاح وتوحيد ديني.
وفي مكة آنذاك مستعمرة حبشية (يقصد بالمستعمرة حياً خاصاً بالتجار الأحباش) بل إن بلالاً أصبح مؤذن الرسول هو زنجي حبشي. والمعروف أن الحبشة المسيحية كانت تتصارع على اليمن مع بلاد فارس الزرادشتية في القرن الذي سبق ولادة محمد صلى الله عليه وسلم بل إن الأحباش حاولوا – في السنة التي ولد فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم – احتلال مكة بقيادة أبرهة الحبشي الذي قاد حملته المدججة بالفيلة من اليمن وفشلت الحملة نتيجة انتشار وباء الجدري بين قواته. كما انتعشت المستعمرات اليهودية في المدينة (المنورة) وفي عدة واحات شمال الحجاز بينما انتشرت اليهودية في اليمن حتى أصبحت دين الدولة.
كان ثمة عرب غير راضين عن المعتقدات الشائعة وهم الحُنَفاء فتبنوا وطوّروا أفكاراً توحيدية غامضة، وازداد عدد هؤلاء الحنفاء وسط الجزيرة العربية، وكان من شأن الفوضى السائدة على الصعيد السياسي أن حتمت انخفاض الاحترام للآلهة الوثنية التي كانت عبارة عن أصنام من الحجارة بلا حول ولا طول، باستثناء ما كان يزعمه عبدتها من قدراتها، ومنذ إصلاحات قصي الذي أحضر تلك الأصنام إلى مكة، كثرت الأصنام وتعددت أنواعها لدرجة أن كل قبيلة كانت تعبد آلهاً خاصاً بها.
وأدرك محمد صلى الله عليه وسلم بسليقته أن ثمة طريقة واحدة لإنهاء الصراعات والصدامات القبلية وهي توحيد القبائل ومكة في دولة واحدة ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بعد توحيد كافة الآلهة في إله واحد.
وهكذا بدأ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يبشر بالإسلام (بعد أن نزل عليه الوحي في غار حراء) والمساواة بين الناس(7) وكان تقدم الدين الجديد بطيئاً إذ لم يؤمن به في العام الأول من الدعوة سوى ثلاثة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بهم في البداية في عدة أماكن ونادراً ما التقى بهم في بيته إلى حين استقر الرأي على اجتماعهم في كوخ فوق تلة صغيرة في الصفا. وعند نهاية عام 613 بلغ عدد أتباعه زهاء ستمائة شخص وشاع أمر الرسول وأمر دعوته وبدأ يواجه معارضة قوية، فتألف وفد من قريش وذهبوا إلى أبي طالب يتذمرون له من ابن أخيه، وتحدث أبو طالب مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالأمر وكان جوابه حاسماً: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" ورغم الإحراج الذي شعر به أبو طالب لكنه لم يخذل ابن أخيه. وكان أبو طالب عزيزاً قوياً في قومه ولا يجرؤ شخص على إيذاء محمد خشية من عمه أبي طالب. لكن بعض المسلمين الآخرين كانوا يفتقرون إلى الحماية، فتعرضوا للأذى لدرجة أن بعضهم هاجر إلى الحبشة حيث وجدوا الترحيب من قبل ملك الحبشة المسيحي الذي رفض بعد ذلك طلب وفد أرسلته قريش يحمل الهدايا إليه لتسليم المسلمين إلى الوفد بهدف إعادتهم إلى مكة. وبعد تزايد المضايقات التي تعرض لها الرسول غادر مكة إلى الطائف. ثم انتشرت شائعة بأن أهل يثرب (التي أصبح اسمها المدينة المنورة) قد وجهوا دعوة للرسول صلى الله عليه وسلم للإقامة بينهم. وعند ذلك قرر نبلاء مكة تصفيته جسدياً. لكن ما إن وصلت العصبة المكلفة بمهمة تصفيته إلى منزله حتى اكتشفت أنه غادر مكة مع أحد الذين كانوا أول من آمن به وبدعوته (وهو أبو بكر الصديق) حيث وصلا إلى يثرب (المدينة) في الرابع والعشرين من أيلول 622 وهو بداية التاريخ الهجري المعمول به في العالم الإسلامي.
وسرعان ما حظر وأد البنات وحطم كافة الأصنام في الكعبة وجوارها، وأقر مناسك الحج. وفي عام 631 لم يستطع الحج لانشغاله في ترسيخ سلطته والتغلب على بعض المتمردين في الطائف من جهة وقبيلة هوازن القوية من جهة أخرى. أما في العام الثاني 632 فقد قاد الحج بنفسه ثم إنه مرض مرضاً غير محدد عانى خلاله نوبات شديدة من الحمى وتوفي يوم الخميس الرابع من حزيران عام 632.
ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان القائد الأعلى لكنه اعتاد أن يقرن اسمه مع اسمي أبي بكر وعمر عندما يتطلب الأمر تأكيد السلطة فيقول: "أنا وأبو بكر وعمر…". وهكذا ظهرت هذه الشراكة العائلية الثلاثية منذ البداية وأصبحت عادة في مكة خلال القرون التالية.
يمكن القول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم أصبح ملكاً لكنه ملك في جمهورية إذا صح التعبير، ولعدم وجود وريث ذكر له فقد خلف أبو بكر الذي أصبح اسمه خليفة رسول الله ثم اقتصرت مناداته باسم (الخليفة).
ما إن توفي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تمردت بعض القبائل وأعلنت العصيان بل إن قبائل البحرين ارتدت عن الإسلام وعادت لاعتناق الدين المسيحي. وهكذا بدأت ما يسميه العرب (حروب الردة) وانتصرت الجيوش الإسلامية على القبائل المرتدة… وفي طليعة المرتدين (مسيلمة) الذي يصفه المؤرخون العرب بالكذاب لأنه ادعى النبوة وقاد بني حنيفة وقبائل اليمامة لكنه مني بهزيمة منكرة وقتل، وخلال سنة وبضعة أشهر قضت القوات الإسلامية على معاقل المرتدين وخفقت راية الإسلام فوق الجزيرة العربية مرة أخرى.
بعد أن استقرت الأمور قرر أبو بكر توجيه الجيوش للفتوحات باتجاه الشمال والشمال الشرقي وذلك قبل نهاية عام 633. وكانت الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية قد شاختا وضعفتا.
وتوفي أبو بكر (ر) في شهر آب اللاهب. وكانت الدولة الإسلامية قد دخلت مرحلة من المتغيرات المتسارعة غير الخاضعة للسيطرة وذلك بسبب توسع الفتوحات والظروف الاجتماعية والطبيعية التي تختلف في الأقطار والأراضي المفتوحة عنها في الجزيرة. وهكذا أصبحت أيام صدور الأوامر والتوجيهات من مكة معدودة.
لقد أصبح تاريخ الحكام المسلمين ليس قصة مدينة في الجزيرة العربية وإنما قصة شعب يزحف في أراضي الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية وهذا ما استدعى بالضرورة إنشاء معسكرات للجيوش والإقامة في مدن وعواصم بعيدة من الجزيرة. وحاول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب استعادة السيطرة وتركيز الصلاحيات في الجزيرة العربية وأصدر لهذه الغاية أمراً منع بموجبه المسلمين من الحصول على أملاك عقارية في الأراضي والأمصار المفتوحة، لكن بعد بضع سنوات ثبتت استحالة التقيد بذلك.
ولأن الفتوحات توسعت وامتدت على نحو فاق كافة التوقعات، وجد عمر (ر) أن القوانين والتشريعات التي وضعت للمجتمع العربي في مكة والمدينة لم تعد كافية ولا تفي بحاجات المجتمعات والمدن الكبيرة التي دخلتها القوات العربية الإسلامية في الأمصار صلحاً أم حرباً. وكانت المهمة الأولى التي اضطلع بها هي جمع القرآن أما المهمة الثانية فهي توسيع التشريعات اعتماداً على القرآن والسنة بحيث يمكن تطبيقها في الظروف والشروط المستجدة التي لم تكن موجودة عند نزول الوحي.
وتم جمع القرآن وهو كلام الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل وأرسلت نسخ منه إلى الأمصار.
وبينما كانت جيوش الإسلام المتزايدة في العدد والعدة تلقي الذعر في قلوب الأعداء وتمضي في التوسع باتجاه الشمال والشمال الشرقي والشمال الغربي، كان مركز الخليفة في المدينة. وكانت أهمية مكة تعتبر هامشية بالنسبة لها. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين عتاب بن أسيد بن أبي العاص(9) أحد أقاربه وهو من أمية والياً على مكة في حياته. وقد خلف عتاب عدة أشخاص من الهاشميين كان الخلفاء يختارونهم.
وفي عهد عمر تمّ الاستعاضة عن ميناء الشعيبة بميناء جدة لأنه أقرب إلى مكة وفي عام 638 (10) تمَّ بناء جدار واق ومنخفض الارتفاع حول الكعبة لأول مرة وذلك كإجراء للسيطرة على الحجيج نتيجة التزايد الدرامي في عدد الحجاج. ولم يكن ثمة من يخشى أن تتعرض مكة للهجوم سيما وأن الجيوش الإسلامية والجبهات بعيدة جداً في عمق أراضي الرومان والفرس، لكن مكة تعرضت للهجوم بعد ذلك.
بعد وفاة عمر رضي الله عنه الذي اغتاله عبد مسيحي من أصل إيراني اجتمع ستة من كبار الصحابة سبق أن اختارهم لاختيار الخليفة الثالث فاختاروا عثمان بن عفان الذي ينحدر من الفرع الأموي أي من فرع التجار والمصرفيين وليس من الفرع الهاشمي سدنة الكعبة.
وكان علي بن أبي طالب وهو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة يعتقد منذ وفاة الرسول بأنه الأولى بخلافته، وبالتدرج تشكل حزب يؤيد خلافة علي وأولويته لهذا الحق. وكان عدد كبير من المشركين خارج الجزيرة العربية الذين اعتنقوا الإسلام معتادين على نظرية (التجسيد) أي أن الله يتجسد على شكل إنسان وقد دخلت هذه الأفكار المضللة إلى الجزيرة العربية من المسيحيين البيزنطيين الذين كان عدد كبير منهم يؤمن بأن الله تجسد في المسيح، ومن الفرس في إيران التي أكمل المسلمون افتتاحها في زمن الخليفة الثالث. ومن الطبيعي أن تؤثر ثقافات الأمصار التي افتتحها المسلمون عليهم بشكل متزايد، وبذات أفكار التجسيد والحلول وتأليه الحاكم وهي أفكار ومعتقدات فارسية الأصل تنتشر بين المسلمين كما سبق أن انتشرت قبل ذلك في بلاد الإغريق والرومان، وكان المصدر واحداً وهو بـلاد الفرس.
لكن قبل أن يحدث ذلك شعر عثمان بمخاطر انتشار الاستياء بين كبار الهاشميين في المدينة فتحول إلى مكة واتخذها عاصمة بدلاً من المدينة. وكان عثمان قد ورث ثروة واستطاع أن ينميها وكان يتأنق في ملابسه بعكس سلفيه، ولأنه من الفرع الأموي فقد عين أقاربه الأمويين في أهم المراكز في الأمصار المفتوحة.
وهكذا ظهر الانشقاق بين نبلاء قريش، بين علي (ك) ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته يؤيده أقاربه الهاشميون وبين الفرع الأموي الذين اشتهروا بالتجارة والصيرفة والمغامرة وكان أبو سفيان وهو أحد أهم أجداد الأمويين من أشد خصوم الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة في فجر الدعوة الإسلامية.
وتجددت الضغوطات القديمة بين الفرعين، كان الأمويون يسيطرون على دمشق ويتمتعون بتأييد سكانها بينما وجد علي رضي الله عنه الدعم والتأييد في النصف الشرقي من الإمبراطورية وعلى وجه التحديد في العراق وما تلاها شرقاً.
وفي شهر حزيران عام 656 بلغ النزاع أوجه عندما قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه في المدينة. واستغل معاوية بن أبي سفيان الموقف وأصبح زعيم الأمويين والمدافع عن مصالحهم فالتفوا حوله. وعرض معاوية قميص عثمان رضي الله عنه الملطخ بالدم في مسجد دمشق الكبير (المسجد الأموي)(11) ونجح في إثارة حزن وغضب المسلمين على مقتل عثمان. وفي غضون ذلك انطلق علي كرم الله وجهه من الحجاز (ولم يرجع إليه بعد ذلك) متوجهاً إلى الكوفة في العراق حيث تم اغتياله أيضاً بعد خمس سنوات، وسرعان ما أصبح بالنسبة لذريته وأتباعه قديس الإسلام أو بطل الإسلام. وثمة من يعتقد بأن علياً كرم الله وجهه كان يفتقر إلى الحنكة السياسية وإن كان على درجة كبيرة من الحكمة والشجاعة في الحرب، وفياً لأصدقائه منصفاً مع أعدائه حتى أصبح في التاريخ الإسلامي وما زال رمزاً للشهامة والفروسية، كما تم تخليد سيفه – الذي سبق أن
ومنذ أن اعتلى معاوية منصب الخلافة في دمشق عام 660 لم يعد للجزيرة العربية تأثير يذكر على مجريات الأحداث خارجها. لقد دفعت الجزيرة بروحها ودمائها إلى الأراضي والإمبراطوريات المجاورة ومنذئذ أصبح دورها في التاريخ ثانوياً مقارنة بدور السلالات التي انطلقت منها وأسست عواصم خاصة بها. لكن الجزيرة حاولت تأكيد زعامتها أو أهميتها على الأقل حيث قام عبد الله بن الزبير وأعلن نفسه خليفة.
واتهم حكام دمشق الأمويين باغتصاب الخلافة واستطاع فرض سيطرته على الجزيرة طيلة جيل بل إن العراق اعترف بخلافته لفترة ما. لكن الأمويين نجحوا في النهاية بوضع حد للمساعي المكية عام 692 وبعد حصار استمر ستة أشهر اقتحم القائد الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي مكة وكان ابن الزبير قد صمد قبل ذلك أمام حصار آخر دمرت خلاله أجزاء من الكعبة نتيجة ضربها بالمنجنيقات لكن قائد الحملة (الحسين بن نُمير) أوقف الحصار وعاد بقواته إلى سورية بعد أن سمع بوفاة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية. وكان من شأن إنهاء الحصار وانسحاب القوات الأموية أن قام المكيون بإصلاح الأضرار التي لحقت بالكعبة جراء ضربها بالمنجنيقات. وبعد أن احتل الحجاج مكة أمره الخليفة في دمشق بإعادة بناء الكعبة وإزالة التحسينات التي أدخلها عبد الله بن الزبير في إشارة واضحة لتأكيد سلطة دمشق على المكيين والكعبة وحتى سدنة الكعبة من الهاشميين.
يقول ابن الحنفي أن عبد الله بن الزبير أعاد بناء الكعبة بعد دمار أجزاء منها نتيجة قصفها من قبل قوات الحسين بن نُمير، وأنه أكمل إعادة البناء في السابع والعشرين من شهر رجب (القمري) الذي يوافق عام 683 وخرج مع أهالي مكة إلى التنعيم وقاموا بالحجة الصغرى ويسميها المسلمون (العمرة) وظل المكيون بعد ذلك يقومون بالعمرة كنوع من الاحتفال ويخرجون إلى التنعيم واستمرت عادة المكيين هذه حتى عام 1201 حيث أن قتادة ابن إدريس استغل فرصة خروج المكيين إلى التنعيم للاحتفال السنوي فاحتل مكة دون مقاومة.
وربما لا يكون ابن الحنفي مصيباً في اعتقاده بأن العمرة عادة استنها ابن الزبير، وكل ما في الأمر هو أنه أحيا عادة قديمة لأن مؤرخين آخرين يؤكدون بأن العرب كان يعتمرون ويعقدون في أثناء ذلك هدنة قصيرة بين القبائل حتى في أيام الجاهلية.
وإذا كان هناك هدنة قبلية في رجب أي في أوائل الصيف فقد كان الهدف منها إتاحة الفرصة أمام القبائل للإقامة بسلام وأمن عند آبارهم والتردد على أسواق المواشي قبل أن تزداد حرارة الطقس ويصبح الارتحال أشد صعوبة سواء بالنسبة لهم أو لمواشيهم، وهذا يعني وجود اتفاق ضمني بين القبائل على حظر الغزو في شهر رجب لكن هذا التقيد اختفى بعد انتشار الإسلام رغم استياء بعض المكيين وحتى بعض القبائل. وهكذا استغل ابن الزبير الرغبة الطبيعية للاحتفال بانتهاء عمليات إصلاح وترميم الكعبة وأعاد التقليد القديم. وإذا كان الخليفة الأموي في دمشق قد أعاد بناء الكعبة لمحو أي أثر من آثار الإصلاحات التي قام بها ابن الزبير لتجميلها فقد استمر تقليد الحج الأصغر بعده مئات السنين.
وفي نهاية القرن السابع أصبح من المألوف أن يقوم الخلفاء الأمويون في دمشق بتعيين أقاربهم من الأمويين (وليس الفرع الهاشمي) أو بعض القادة العسكريين المخلصين لهم كولاة على الأمصار أو حتى حكاماً على مكة نفسها. وبدا كأن الهاشميين الذين توارثوا حق إدارة الكعبة قد فقدوا هذا الحق.
(1) كان العرب يتزوجون في سن مبكرة ويحق لنا الاعتقاد بالتالي أن الجيل يمثل 20 سنة.
(2) تاريخ العرب ص 64-65.
(3) إننا نتحفظ بالطبع على معظم التفسيرات التي يوردها المؤلف ويعتمد فيها بشكل أساسي على الاقتصاد أي على المادية التاريخية.
(4) رغم رفضنا المطلق لهذا التفسير وغيره لكننا نثبته لإطلاع القارئ على الكيفية التي يفكر فيها الغربيون.
(5) ابن هشام (السيرة النبوية) المجلد الأول ص 132.
(6) أ.ب. كوسين دي بيرسيفال (مقالات في التاريخ العربي) صفحة 333. وقد ذكر هذه الحادثة ابن خلدون أيضاً.
(7) د.ج. هو غارث.
(8 السيرة النبوية، لابن هشام الجزء الأول.
(9) وما زال أحد أحياء بغداد يحمل اسم عتاب نسبة إلى عتاب بن أسيد. وينسب إلى حيّ عتاب الحرير العتابي الذي يعرف باختصار باسم الحرير التابي.
(10) نلفت نظر القراء الكرام إلى أن كافة التواريخ المدونة من الآن وحتى نهاية الكتاب هي حسب التقويم الغريغوري الميلادي إلا إذا أثبتنا التاريخ الهجري.
(11) لم يكن المسجد الأموي قد بُني في ذلك الزمن لأنه بُني في عهد الوليد بن عبد الملك.
|
29 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
لكن القرآن (الكريم) أمر كل مسلم قادر على الحج إلى مكة مرة واحدة على الأقل في العمر، فتحولت مكة من مركز تجاري يمتاز بقدسية خاصة في أوساط القبائل إلى مدينة مقدسة ولم يد الإسلام مقتصراً على الجزيرة بل اعتنقته الشعوب المجاورة في العراق وسورية وبلاد فارس ومصر وشمال إفريقيا، ولم تعد الكعبة مركز تجمع آلهة الوثنيين بل مركز دين عالمي… وهكذا كان المسلمون في سورية وبلاد فارس وإسبانيا وخراسان والهند وإفريقيا والصين وأندونيسيا وأوروبا يتوجهون في صلواتهم نحو الوادي الشحيح بالماء، أي الكعبة التي حولها الرسول القرشي محمد صلى الله عليه وسلم من هيكل للأصنام إلى بيت الله الواحد الذي يتوجه نحوه ملايين المسلمين في العالم عند الصلاة.
لقد تحول التجار إلى فاتحين، وأصبح أبناء (أبي سفيان) يحكمون دمشق ويعينون الولاة في مكة أما أحفاد علي (ك) والرسول صلى الله عليه وسلم من ابنته فاطمة فقد كان أتباعهم قلائل وتركز أولئك الأتباع في الجزيرة العربية نفسها وفي بلاد فارس.
وتلتقي السلالتان، سلالة الأمويين التجار وسلالة الهاشميين سدنة البيت في عبد مناف بن قصي الذي أنجب عبد شمس وهو جد الأمويين، وهاشم وهو جد الهاشميين (انظر شجرة النسب التي توضح ذلك في هذا الكتاب) وقد حكم أحفاد عبد شمس(1) أسبانيا ثمانية قرون كما حكموا دمشق ومصر والعراق وبلاد فارس وخراسان. لكن الهاشميين تغلبوا عليهم فيما بعد وحكموا كلاً من العراق واليمن والشمال الإفريقي واحتفظوا بالإشراف على مكة حتى القرن العشرين.
وظهرت حركة التحزب (التشيع)، كانت أحياناً تشتد وتتصاعد فتولد الحروب والاضطرابات ومذاهب جديدة وتنشر البؤس حتى إن الخلفاء الأمويين بعد نجاحهم في احتلال مكة حظروا على أشياع وأتباع علي (ك) دخولها أو دخول المدينة المنورة.
وبسبب الطبيعة المتمردة للروح العربية وخاصة في الجزيرة كان ثمة ميل لرفض الأوامر الصادرة من سورية والعراق وتصاعدت هذه الروح أو الميول المتمردة لتنتهي بما يشبه انفصال الجزيرة العربية عن الإمبراطورية الإسلامية. وحتى يومنا هذا ما زال ثمة عدد كبير من الشيعة في الجزيرة بما في ذلك جبال اليمن في الشمال ونجران والجوف وسلطنة عمان والإحساء. ولعل سبب هذا الميل إلى التشيع في الجزيرة العربية(2) هو الاستياء العام والعجز عن السيطرة على الدين وعلى الإمبراطورية التي أوجدتها الجزيرة العربية وحواضرها مثل مكة والمدينة، وثمة ملاحظة أخرى، وهي أن الخلفاء العباسيين في بغداد الذين أنهوا الحكم الأموي في دمشق قد اعتمدوا بشكل رئيسي على الفرس وخاصة القوات الخراسانية، بل إن الخليفة العباسي الثاني (أبو جعفر المنصور) أرغم الحجاز على الاعتراف بخلافته بواسطة القوات الفارسية، كما أن الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد اضطر لتبني سياسة التقرب من الحجازيين وذلك بالحج إلى مكة سنوياً مع زوجته زبيدة وإنفاق أموال طائلة على الأماكن المقدسة والفقراء وذلك تداركاً من ثورة هاشمية.
أما الخليفة السابق (المهدي) فقد زار مكة عام 776 وبعد أن شاهد الأضرار التي لحقت بجدران الكعبة نتيجة ثقل الطبقات التي أضيفت فوق بعضها مع الزمن(3) أمر بإصلاحها ووضع نظاماً جديداً لكسوتها سنوياً. وشارك الخليفة نفسه في العمل، وبعد الانتهاء من بناء الحجارة طليت الجدران بالعطور والمسك والعنبر كما أشبع الجزء الأعلى من البناء بالعطور الثمينة وكسيت الكعبة لأول مرة بثلاث قطع من النسيج القباطي وزين الجزء الأعلى منها بخيوط من القصب المذهب.
وعندما اعتلى (الهادي) الخلافة أمر بإحضار حجارة جديدة من محاجر أخميم في مصر، غير أن هارون الرشيد فاق كافة أسلافه في الكرم سواء في التصدق أو الإنفاق على الكعبة نفسها. واضطلع الرشيد بمشروع كبير لجلب المياه إلى مكة وتوفي قبل إكماله فأكملته زوجته زبيدة. وقد تركزت الخطة حول نبع حنين الذي يبعد زهاء (12) ميلاً إلى الشرق من مكة، وتم حفر عدة ينابيع صغيرة لسحب مياهها إلى مكة وبنيت خزانات المياه في الأماكن المناسبة لها، ولعل أشهر موقع في شبكة المياه المعقدة هذه (نبع زبيدة) الذي سمي باسم زوجة الخليفة هارون الرشيد في سفح جبل عرفات. وهكذا أصبحت المياه متوفرة في مكة على مدار العام. ولا يمكن الإلمام بضخامة هذا المشروع المائي إلا إذا أدركنا طبيعة المنطقة الجبلية وصلابة الصخور الغرانيتية التي كان يتعين قصها ونقلها إلى مواقع البناء لكن زبيدة كانت مصممة على إنجاز المشروع رغم كل الصعوبات، وبلغت التكاليف مليوناً وثلاثة أرباع مليون دينار وهو مبلغ كبير في ذلك العصر، ويقول المؤرخون العرب: إنه بعد الانتهاء من العمل وإنجاز المشروع كاملاً سافر المهندسون والمشرفون والمراقبون الذين عملوا فيه إلى بغداد لمقابلة زبيدة حتى يقدموا لها حسابات المشروع وقوائم الإنفاق، فاستلمت الحسابات وألقتها في نهر دجلة قائلة بنبرة ملكية: "نترك الحسابات إلى يوم الحساب، فإذا كان أي شخص فيكم لم يأخذ أجرته كاملة فليوضح ذلك حتى أدفع له استحقاقاته" وبعد أن دفعت أجور المستحقين وهبت كل واحد من المهندسين والمشرفين والمراقبين ثوباً ثميناً فغادروا القصر وألسنتهم تلهج بالدعاء لها(4).
كان أول وال عباسي على مكة ينحدر من الفرع العباسي تماماً كما كان الخلفاء الأمويون يعينون ولاة على مكة من الفرع الأموي، واستمر هذا التقليد حتى خلافة هارون الرشيد عندما تم تعيين (أحمد بن إسماعيل بن علي). وفي عهد المأمون وخلال محاولاته استرضاء العلويين تم تعيين محمد ابن جعفر الصادق (وهو الإمام السابع عند الشيعة) والياً على مكة. لقد سبق أن واجه الخلفاء الأمويون في دمشق حركة ثورية مشابهة قام بها الخوارج وها هم العباسيون في بغداد يواجهون تصاعداً في المد الشيعي والطعن في شرعية خلافتهم رغم أن العباسيين في البداية اعتمدوا على مؤازرة الشيعة ليكتشفوا بعد ذلك صعوبة السيطرة عليهم.
وعمت الاضطرابات معظم أنحاء العالم الإسلامي، وفي أواخر القرن التاسع ظهرت حركة ثورية خطرة وهي حركة القرامطة وذلك نسبة إلى زعيمهم حمدان الذي لقب بقرمط (لقصر قامته). وانتشرت تعاليم قرمط وتجذرت في الكوفة وسرعان ما اتسع انتشارها في سورية والبحرين والإحساء وأصبحت واحة الحجر عاصمة القرامطة، وفي تلك الفترة (أي بداية القرن العاشر الميلادي والثالث الهجري) كانت الإمبراطورية العباسية تعاني من ظهور سلالات قوية في أطرافها.
ففي شمال أفريقيا تشكلت الخلافة الفاطمية في القيروان ثم انتقلت إلى القاهرة وكان ثمة توافق بين مبادئ ومنطلقات الفاطميين وبين مبادئ ومنطلقات كل من القرامطة الإسماعيليين وفي اليمن أعلن الوالي العباسي الاستقلال عن بغداد أسوة بغيره من الولاة الذين أعلنوا استقلالهم عن مقر الخلافة العباسية في بغداد. واستطاع القرامطة في غرب الجزيرة العربية فرض سيطرتهم واستطاعوا تحريض الفاطميين في شمال أفريقيا ضد العباسيين في غرب آسيا. كان الناس في حالة توقع وتساؤل عمن سيكون المهدي المنتظر الذي سيجسد علياً (ك) وذريته. وفي عام 906 علا نجم القرامطة وازداد نفوذهم في سورية خاصة، وفي العراق استطاعوا احتلال البصرة وادعوا أنهم إنما فعلوا ذلك باسم السلالة الفاطمية الخلفاء في شمال أفريقيا.
بعد احتلال البصرة أصبحت العاصمة العباسية بغداد نفسها مهددة. وحدثت معارك بين القوات العباسية وبين القرامطة، كانت المعارك سجالاً إلى أن تمكنت القوات العباسية وبصعوبة كبيرة من دحر القرامطة من البصرة وإرغامهم على التراجع إلى مواقعهم الأولى شرق الجزيرة العربية، فما كان منهم بعد حين إلا أن هاجموا مكة نفسها.
في عام 929 اقتحم القرامطة مدينة مكة في هجوم خاطف وأعملوا السيف في سكانها وقذفوا بجثث الضحايا في بئر زمزم ولطخوا داخل الكعبة بدماء الضحايا الأبرياء، وتوجوا وحشيتهم وتدنيسهم للمقدسات بأن اقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وحملوه معهم إلى الحجر (في كانون الثاني (يناير) 930) موطنهم في غرب الجزيرة، واحتفظوا به زهاء عشرين عاماً حتى أمرهم منصور العلوي سيد أفريقيا بإعادته فامتثلوا لأمره وأعادوا الحجر الأسود إلى مكة عام 950م.
وفي غضون ذلك تحركت السلالة الفاطمية نحو الشرق واحتلوا القاهرة ونشروا المذهب الفاطمي في الشمال الإفريقي وبقي الأمر كذلك حتى قضى عليه صلاح الدين الأيوبي. وعن طريق الخليفة الحاكم بأمر الله الذي اشتهر بتصرفاته الشاذة، أرسلت البعثات إلى سورية الطبيعية حيث عملت على تأسيس المذهب الدرزي كما ظهرت حركة الحشاشين في بلاد فارس ومذاهب شيعية أخرى في الجزيرة وحتى في زنجبار على الساحل الإفريقي الشرقي. وظهر وكان التشيع إلى علي ولنقل (العلوية) مثل نبتة مكروهة ومع ذلك استمرت في إطلاق براعمها (بمعنى مذاهبها المختلفة) في كل الاتجاهات وعلى نحو متسارع حتى أضعفت الخلافة العباسية وأصبحت على وشك الانهيار، بينما لم تكن مكة موضع اهتمام أحد فتركت لحالها أو لشأنها.
ونتيجة لهذه الفترة من الاضطرابات والفوضى في القرن العاشر ازدادت قوة ونفوذ ذرية علي (ك) في كل من مكة والعراق. وكانوا هم الذين يرافقون في معظم الأحيان الحجاج في الطرق الخطرة ويستغلون نفوذهم بين القبائل لتأمين مرور آمن للقوافل. كان أعضاء أسرة الرسول، أو بمعنى أدق، ذريته من ابنته فاطمة (وابن عمه علي) وبدعم وتأييد من القبائل البدوية حول المدينة ومكة يتمردون أحياناً على أوامر الخليفة في بغداد. حتى أعلن أحدهم نفسه خليفة في مكة.
(1) هاشم هو جد الهاشمين. (2) أمية هو جد الأمويين. (3) العباس هو جد العباسين. (4) علي (ك) هو زوج فاطمة الزهراء. (5) محمد حنيفة هو جد العلويين ملوك المغرب.
* لقد جرى العرف على تسمية أحفاد الحسين بالسادة أما أحفاد الحسن فهم الأشراف.
(1) يتحدر منه أشراف مكة المكرمة وبلاد الحجاز.
جعفر في حكم الحجاز ابنه عيسى الذي امتد حكمه 14 سنة من 980 حتى 994 وخلال هذه الفترة أوقف الفاطميون في مصر إرسال إمدادات الغذاء إلى كل من مكة والمدينة إلا بعد موافقة عيسى بن جعفر على الدعاء للخليفة الفاطمي في القاهرة من على منابر مكة والمدينة وخاصة في خطبة صلاة الجمعة. وخلف عيسى شقيقه الأصغر (عبد الفتوح) الذي امتد حكمه (45) سنة وتزامن حكمه جزئياً مع خلافة الحاكم بأمر الله في مصر. وقوي شأن عبد الفتوح حتى طمع بالخلافة في بغداد وإسقاط الخلافة الفاطمية في مصر. وشجعه على ذلك عبد القاسم المغربي ابن الوزير الذي الذي قتله الفاطميون. وكان عبد القاسم قد هرب إلى سورية يبحث عن مساندة ودعم للثأر من قتلة والده. وفي تلك الأثناء طلب الحاكم بأمر الله من عبد الفتوح طلباً غريباً وهو أن تتضمن خطبة الجمعة في مساجد الحجاز قذفاً ببعض صحابة الرسول وبعض زوجاته. بينما جرت العادة (في أوساط أتباع المذهب السني) على الدعاء لهم في خطبة الجمعة. وعندما حاول عبد الفتوح (على مضض) التقيد بتعليمات الحاكم بأمر الله الشاذة اندلعت الاضطرابات في مكة، وتم طرد قوات الحاكم بأمر الله من مخيمات بدو سورية التي سبق أن لجأ إليها عبد القاسم المغربي ابن الوزير المغدور وأصبحت الظروف ملائمة للثورة وأعلن عبد القاسم وشيوخ القبائل تأييدهم لعبد الفتوح حاكم مكة الذي انطلق إلى سورية فوراً وفي معيته ألف زنجي وجيش من أقاربه وأخذ معه سيف علي (ك) وعصا الرسول(5) من المدينة، وفي غضون ذلك أرسل الخليفة الفاطمي الشاذ الحاكم بأمر الله مبالغ محترمة لكل شيخ من شيوخ القبائل الذين سبق وأن أعلنوا تأييدهم لعبد الفتوح الذي سرعان ما لاحظ أن أموال الحاكم بأمر الله كانت أشد فعالية في البدو من الأمانات المقدسة التي أخذها معه من مكة والمدينة. وفي نفس الوقت وردت أنباء من الحجاز بأن أحد أقاربه يخطط للاستيلاء على الحكم وأنه تلقى دعماً مالياً من الحاكم بأمر الله لهذه الغاية. فعاد إلى مكة على جناح السرعة وفي القوت المناسب لإعادة الأمن والنظام.
وخلف عبد الفتوح ابنه محمد شكر وهو رجل كريم ذو ميول شاعرية وتسمى باسم (أبو عبد الله) وتكنى بلقب (تاج المعالي) وتوفي محمد شكر (تاج المعالي) ولم يكن له وريث فخلفه لبعض الوقت أحد مواليه ثم خلف المولى (محمد بن أبي فاتك) عضو قبيلة بني أبي الطيب ثم خلفه حاكم يماني يدعى محمد الصليحي وهو أول حاكم في سلالة يمنية شيعية وشهيرة وغن كان حكمها قصيراً. وكان محمد الصليحي قد حضر إلى مكة للحج ثم أقام فيها كحاكم لها… لقد دخل مكة عام 1063 لكنه واجه معارضة شديدة من الحكام السابقين (بني أبي الطيب) كما أن رجاله اليمنيين عانوا من جفاف الطقس الذي يختلف عن الطقس في بلادهم الجبلية فضلاً عن مرض وبائي أصاب رجاله وقضى على الكثيرين منهم. ولذلك عندما قابله رجالات الأسرة الحسنية واقترحوا عليه أن يعين نائباً له منهم قبل الاقتراح وطلب منهم أن يسموا النائب فاختاروا (محمد ابن جعفر) الذي يتحدر من الحسن بن علي وقد عرفت ذريته بعد ذلك باسم (أبو هاشم).
وفي العام التالي عندما قام نقيب الأشراف والسادة في بغداد (أبو غنيم) بالحج إلى مكة وجد أن الأمير الجديد بدأ يميل نحو العباسيين في بغداد بحيث أنه أبدل الدعاء في خطبة الجمعة لمصلحة الخلفاء العباسيين بدل الخلفاء الفاطميين في مصر. وسرعان ما أوقف المصريون تزويد الحجاز بالمواد التموينية وهو ما اضطر الأمير لجمع المال لشراء الإمدادات التموينية بأسعار مرتفعة ولم يجد مناصاً من بيع الفوانيس الذهبية في الكعبة، غير أن الخليفة العباسي على أي حال عوضه عن الخسارة وأرسل له (30) ألف دينار.
وفي غضون ذلك تلقى بنو أبي الطيب تشجيعاً سرياً ودعماً مالياً من الخليفة الفاطمي في مصر، فهاجموا محمد بن جعفر وأرغموه على الفرار فترة من الزمن إلى ينبع. ومن ينبع نظم عدة غارات على مكة واستولى على الإمدادات المصرية لها وفي نفس الوقت أوقف اليمنيون قوافلهم إلى مكة، حتى اضطر المكيون إلى تسليم المدينة، فاستسلمت أسرة أبي الطيب وأميرها حمزة فدخل محمد ابن جعفر إلى مكة (ممتطياً صهوة فرسه دنانير) وربما كان لدى حمزة فرسان أشداء لكن أموال محمد ابن جعفر التي زودته بها بغداد واليمن انتصرت في الصراع. وقد اضطر لإخلاء مكة عندما حضرت أعداد غفيرة من السلاجقة الأتراك للحج بحماس شديد وطلبوا منه عدة أشياء ولم يراعوا العادات المكية ولم يلتفتوا إلى احتجاجاتهم الدبلوماسية فانسحب مع أتباعه من مكة. غير أن السلطان السلجوقي كسب وده فأصبح خطباء المساجد في الحجاز يذكرون اسم السلطان السلجوقي بعد اسم الخليفة العباسي مباشرة الذي لم يكن في الواقع أكثر من مجرد ببغاء يردد ما يقوله له السلطان السلجوقي. ولعل الهدف من خشونة ومطالب السلاجقة لدى حجهم إلى مكة في المرة الأولى كان تأمين الدعاء لسلطانهم من على منابر مكة والمدينة. وكانت رغبة الأمير بالإمدادات المصرية تضعف ارتباطاته مع بغداد رغم تبرعاتها الثمينة له، وهكذا رغم ارتباطه الشديد مع بغداد عام 1070 فقد تحول عنها إلى القاهرة حاضرة الفاطميين عام 1075 بعد وفاة كل من السلطان السلجوقي ابن أرسلان والخليفة العباسي المقتدي، ثم عاد وارتبط مع بغداد بعد أن حضر السلاجقة للحج وكان حجيجهم أشبه بالحملة العسكرية.
في ذلك الوقت كان وصول القافلة السنوية من بغداد وفيها عدد كبير من السلاجقة الأتراك يدفع المكيين لحمل السلاح وكثيراً ما قام عبيد الشريف من الزنوج أو رجاله من البدو الأشداء بتوبيخ وحتى معاقبة الأتراك. وفي بداية حكمه خاض معركة ضد القائد السلجوقي الذي حضر من دمشق واسمه (ابن ساراتكين) في موقع عسفان على بعد خمسين ميلاً إلى الشمال من مكة على طريق الحج وألحق به هزيمة منكرة اضطرته للعودة إلى دمشق والتخلي عن محاولة احتلال مكة… واستمر حكم قاسم حتى وفاته عام 1132.
وخلفه في الحكم ابنه هاشم الذي حكم حتى وفاته عام 1154 وتبعه في الحكم ابنه قاسم الذي حكم حتى عام 1161 عندما فرّ من مكة بعد أن هدده أمير الحج العراقي. وخلفه عمه عيسى ابن فليته، لكن هاشماً عاد بعد عام إلى مكة ليقتل فيها غيلة.
ونتيجة لشعور الأسرة الحاكمة بالضعف من الناحية العسكرية وخشية من تكرار التدخل في سيادتها على الأماكن المقدسة، فقد فكرت في بناء قلعة على جبل أبي قبيس الذي يطل مباشرة على مكة حيث يستطيعون اللجوء إليها والدفاع عن أنفسهم عند الضرورة، وفي نفس الوقت وضعوا ترتيباً لدفع مكافآت أو هبات منتظمة للقبائل البدوية بل واحتفظوا ببعض البدو كجيش دائم. وخلفه ابنه داود ابن عيسى. ثم ابنه الثاني مختار ابن عيسى وكان العراقيون (الأتراك) يهددونهما باستمرار. وفي عام 1176 استطاع العراقيون استبدال أمير المدينة قاسم بن مهنا الحسيني بمختار بعد معركة جرت بين قوات قاسم وقوات مختار انتصر فيها الأول بدعم العراقيين (الأتراك) لكن خطط سلاجقة العراق لم تنجح، ذلك أن المكيين لم يمكنوا (قاسم بن مهنا) من الحكم سوى بضعة أيام فاضطر للانسحاب، فعاد داود ابن عيسى كما عاد شقيقه مختار واتفقا على أن يحكم مختار. وتعرض الشقيقان لضغوطات متكررة من الخارج. وحضر آنذاك طغتكين شقيق صلاح الدين للحج وتوقف بعد الحج لفترة عام 1185 وفرض حكمه على مكة، فالتجأ الأشراف وأبتاعهم إلى قلعتهم في جبل أبي قبيس وهو ما أفقدهم احترام المكيين. وألغى طغتكين ضريبة الرؤوس على الحجاج التي سبق أن فرضها الأشراف واستبدل بها معونة سنوية لهم من القمح المصري. أما القمح اليمني فقد احتفظ به لاستهلاك قواته في اليمن التي كان يعمل فيها نائباً لشقيقه صلاح الدين، وهكذا أبهج طغتكين بقراراته هذه الحجاج وقضى على استقلال أمراء مكة. والأدهى من ذلك بالنسبة لهم أن طغتكين ضرب (سكّ) النقود في مكة باسم صلاح الدين ووزعه كما أنه أعدم أمام المكيين عدداً من حراسهم الأشداء الذين كانوا وسيلتهم في حفظ النظام. وكان الأمراء ينظرون إلى عمليات تنفيذ الإعدام بقطع الرأس من قلعتهم في جبل أبي قبيس.
وما إن سافر طغتكين من مكة حتى عاد الأشراف لاستئناف عادتهم القديمة ومهما كان الأمر فقد احتفل المكيون بشكل عام بخلاص مكة واستعادتها لحريتها. وبدأ الأشراف يفرضون ضرائب ورسوماً جديدة على الحجاج وذلك تداركاً من هزات أو تدخلات جديدة يتعرضون لها. ولا شك أن العلاقات الاقتصادية الطبيعية للحجاز هي مع اليمن، وكان حكام مكة متحالفين مع حكام اليمن بالرابطة الوراثية والمذهبية في آن واحد بصفتهم أحفاد علي (ك) ولتأييدهم الطبيعي للعلويين. لكن مكة بصفتها مركز الحج كانت تتعرض على الدوام لتأثيرات ونفوذ من الحجاج من قبل كل من يطمح بأن يكون أقوى حاكم في العالم الإسلامي، ولذلك كان أشراف مكة مضطرين على الدوام لتغيير دفة سفينتهم وفقاً لتيارات الرياح السياسية والدينية.
إن أصل كلمة أو لقب (الشريف) الذي أصبح قيد الاستعمال منذ تلك الفترة، غير واضح فالكلمة لم ترد في القرآن (الكريم) ويبدو أن اللقب أصبح قيد الاستعمال الرسمي خلال الخلافة الفاطمية. ويقول المؤرخ السيوطي: إن الخلفاء الفاطميين حظروا استعمال (اللقب) أو إضفاءه على أي شخص باستثناء ذرية الحسن والحسين ابني علي من فاطمة (الزهراء) ابنة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وقد حاول الكثير من الدارسين والعلماء العرب بحث المعنى الدقيق للقب (الشريف) ويقول الحصري في كتابه (زهر الآداب): إن اللقب يعني التحدر من ذرية الرسول(6)، والشجاعة والأصل غير المشكوك أو المطعون فيه والأخلاق الحميدة وسعة المدارك التي يمكن الحصول عليها بالتعليم. بينما يسجل الكتبي في كتابه (كتاب العرب) أربع مواصفات أو مزايا أو معان للقب الشريف وهي: التحدر من ذرية الرسول (صلى الله عليه وسلم ) عن طريق ابنته فاطمة (الزهراء) وأخلاق إنسانية حميدة وأجداد سبق أن اشتهروا بمآثرهم وأخيراً الكرم (7). ومن الواضح أن المعنى العام هو نبل الأخلاق الوراثي والتسامح والنظرة الإنسانية والكرم والحلم وهي عكس الوقاحة والتعصب وقلة الحياء والظلم الخ. وقد أوضح الدكتور (ل. بشر فارس) في كتابه المعنوّن (مباحث عربية) معنى كلمة الشريف ومصدرها (الشرف) بالتفصيل. ومهما كان الأمر فقد شاع استعمال لقب (الشريف) للدلالة على حكام مكة وأعضاء قبيلتهم منذ القرن الثالث عشر، ثم توسع الناس في استعمال اللقب وأطلقوه على كل شخص يتحدر من قبيلة قريش في الحجاز، وهكذا أصبح لقب الأشراف يشمل الأشراف في مكة وكافة الذين يتحدرون من قريش في العواصم الأخرى خارج الحجاز، لكن الاستعمال العملي للكلمة كان يعني (حاكم مكة) على وجه الخصوص ما لم يكن المقصود باللقب أحد الأشراف الآخرين.
إن نظرة الشعب أي شعب، إلى مثل هذه الأمور والتعامل بها ينتج كلمات واصطلاحات وألقاباً معينة ولا شك أن الحفاظ على هذه الكلمات أو الألقاب أو الاصطلاحات يثبت ويؤكد نظرة الشعب إلى هذه الأمور. فالعرب لا يعرفون الألقاب باستثناء (الشريف) و (شيخ) منذ أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم ) حتى أيامنا باستثناء (أمير) فضلاً عن الشريف وشيخ، لكن (الأمير) وظيفة أكثر منها لقباً، وكان لقب الأمير يستعمل أحياناً بمعنى قائد مثل أمير الحج، أو أمير المنطقة أو أمير الحملة العسكرية أو أمير البحر التي اقتبسناها عن اللغة العربية وأصبحت باللغة الإنكليزية (أدميرال). ولعل أكثر ما يؤكد الروح الديمقراطية المتجذرة في الطباع العربية هو عدم وجود ألقاب في مجتمعاتهم. ومن الطبيعي أن كل عربي أصيل يتحدر من القبائل العربية يعتبر نفسه نبيلاً حتى ولو كان مجرد بدوي فقير، وطالما أن الجميع (أو لنقل معظم) العرب يعتبرون أنفسهم نبلاء فلا معنى لوجود الألقاب في مجتمعاتهم بعكس المجتمعات الأوروبية التي تكثر فيها الألقاب بحيث يصعب حصرها مثل لورد، سير، دوق، ودوقة، كونت، ماركيز… الخ. وهكذا فإن الأسرة الوحيدة التي يحق لأعضائها حمل لقب (الشريف) هي الأسر المتحدرة من قريش بموجب شجرة نسب معترف بها، سواء كانت هذه الأسر مقيمة في الجزيرة العربية أو أي مكان آخر من العالم العربي والإسلامي.
ومنذ بداية القرن الثالث عشر استقرت زعامة مكة وعلى نحو حصري بفرع الأشراف الذين يتحدرون من عمرو هاشم جد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) من خلال الرسول وحفيدته من ابنته فاطمة (الزهراء) وهما الحسن والحسين وما زالت الزعامة الدينية في أيديهم(9).
1-أبو طاهر ابن عبد السعيد الجنابي الكرماتي
(احتل مكة مؤقتاً) 928
السلالة الحسنية
2-جعفر ابن محمد الحسني (حضر إلى مكة مع الحجيج الفاطمي من مصر)
965 – 980
3-عيسى ابن جعفر 975 – 994
4-عبد الفتوح ابن جعفر 994 – 1039
(نودي به خليفة في كل من سورية والحجاز لفترة مؤقتة)
5-محمد شكر ابن عبد الفتوح 1039 – 1061
سلالة الفاتك أو بني أبي الطيب
6-محمد أبو فاتك (ثم استولى على السلطة علي بن محمد الصليحي من اليمن)
1061 – 1063
سلالة أبي هاشم
7-محمد ابن جعفر ابن محمد ابن عبد الله ابن أبي هاشم يتحدر من موصى ابن عبد الله من الحسن ابن علي (وقد وثق الفاسي نسبة بالكامل) 1063 – 1091
8-قاسم ابن محمد 1091 – 1124
9-فليتة ابن قاسم 1124 – 1132
10-هاشم ابن فليتة 1132 – 1154
11-قاسم ابن هاشم 1154 – 1161
12-عيسى ابن فليتة 1161 – 1174
13-داود ابن عيسى 1174 – 1175
14-مختار ابن عيسى، فترة خلو الحكم حيث أن أمير الحج العراقي طشتكين فرض قاسم ابن مهنا الحسيني حاكماً على مكة لكنه لم يحكم سوى بضعة أيام – 1175.
15-واسترد الحكم داود وتنازل عنه إلى مختار مرة أخرى وحكم مختار حتى عام 1200(10).
القرابة بين بني فليتة وبني قتادة
(1) يقصد الأمويين وكان صقر قريش عبد الرحمن الداخل هو الذي أسس الحكم الأموي في الأندلس.
(2) واضح هنا بأن المؤلف يبالغ كثيراً في حجم الشيعة وتأثيرهم داخل الجزيرة العربية.
(3) الحنفي. مخطوط عربي يحمل الرقم 845 في المتحف الوطني في باريس.
(4) ن. أبوت. ملكتان من بغداد.
(5) في قائمة الأمانات المقدسة التي قدمها الشريف بركات إلى السلطان سليم لا يوجد أي ذكر لعصا أو صولجان الرسول صلى الله عليه وسلم وحسب ما أورده الدكتور أحمد راتب في كتابه القيم (تاريخ تركيا) الذي صدر في استانبول عام 1326 هجرية يوجد في متحف طوب قابي في أستانبول الأمانات المقدسة التالية: سن الرسول، مشاية (شحويطة) الرسول، مقبض سيف الرسول وأحد سهامه، آنية طعام نوح، طبعة قدم الرسول، بردة الرسول، علم الرسول الذي كان السلاطين يتفقدونه سنوياً ويتم إخراجه من صندوقه الخاص عند إعلان العاهلية للحرب على أعدائها، مزراب ذهبي، بعض الماء الذي استحم به الرسول، شعرة من لحيته الكريمة، عمامتا الحسن والحسين، سيف جعفر الطيار، سيف خالد بن زيد، سيف شرحبيل بن حسنة، مفتاح مكة، قطعة من باب الكعبة (أو باب الرحمة) رايتا الحسن والحسين، مقابض سيوف الصحابة العشرة المقربين للرسول، قرآن بخط عثمان بن عفان وآثار دمائه على بعض الصفحات عندما تم اغتياله، وقد بقي هذا القرآن في المدينة حتى الحرب العالمية الأولى حيث نقله الأتراك مع غيره من الأمانات المقدسة إلى استنبول لدى انسحابهم من الحجاز (ثم إن الملك الحسين بن علي (طيب الله ثراه) مفجر الثورة العربية الكبرى طالب باسترداد قرآن عثمان والأمانات الأخرى في محادثات فرساي لكنه لم يستطع استردادها) قرآن بخط زين العابدين.
(6) أي النسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
(7) جرت العادة في الواقع على تسمية أبناء الحسن بن علي (الأشراف) وتسمية أبناء الحسين بن علي (ك) (السادة) أي أن الحسنيين هم الأشراف والحسينيين هم السادة.
أمير لقب يمكن منحه لأي إنسان إذا توافرت بعض الشروط وصدر مرسوم ملكي بذلك كما أن الأثرياء في الغرب يشترون الألقاب مثل ماركيز أو كونت أما كلمة الشريف بمعناها الاصطلاحي فتعني التحدر من رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) عن طريق فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب (ك) وبالتالي فهو نسب لا يمكن منحه أو إلغاؤه أو شراؤه.
(9) تكرر لفت انتباه القراء إلى أن الطبعة الأولى من هذا الكتاب صدرت في الأربعينيات عندما كان الهاشميون يحكمون العراق بالإضافة إلى الأردن.
(10) ابن الأثير (الكامل في التاريخ)، الفاسي (شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام) وتاريخ الطبري.
|
29 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
وكان الرحالة ابن جبير قد زار مكة حاجاً في أثناء حكم المختار وزودنا بلمحة عن طبيعة الحياة في مكة آنذاك على النحو التالي:
"ومن مفاخر هذا السلطان (صلاح الدين الأيوبي) المزلفة (المقربة) من الله تعالى وآثاره التي أبقاها ذكراً جميلاً للدين والدنيا إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج… ودفع عوضاً عنه ما يقوم مقامه من أطعمة وسواها، وعين مجبى موضعاً معيناً بأسره لذلك وتكفل بتوصيل جميع ذلك إلى الحجاز، لأن الرسم المذكور كان باسم مدينة مكة والمدينة ويتم توصيلهم إلى مكثر أمير مكة، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المرتبة لهم (أي الأطعمة وسواها) عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم (أي تقويمهم وتهذيبهم) بسبب المكوس، واتفق لنا من ذلك أن وصلنا إلى جدة فسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور، فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضاً ويدخلوا حرم الله، فإذا ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج، هذا لفظة، كان حرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه (أي تأجيره) من الحاج، فسبحان مغير السنين ومبدلها… والذي جعل له صلاح الدين بدلاً من مكس الحاج ألف دينار وألفا أردب من القمح وهو نحو (800) قفيز بالكيل الأشبيلي عندنا (أي في الأندلس وشمال إفريقيا) هذا عدا إقطاعات أقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور… وفي عشية يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضاً وثبتت أسماؤهم في زمام (سجل) عند قائد جدة (علي بن موفق) حسب ما نفذ إليه ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرجل مكثر من ذرية الحسن بن علي رضوان الله عليهما لكنه ممن يعمل غير صالح، فليس من أهل سلفه الكريم رضي الله عنهم"(2).
ووصف ابن جبير المشهد داخل الحرم خلال موسم الحج على النحو التالي:
"فإذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة… يقبل الخطيب داخلاً على باب النبي (صلى الله عليه وسلم ) لابساً ثوب سواد مرسوماً بذهب ومتعمماً بعمامة سوداء مرسومة أيضاً وعليه طيلسان شرب (أخضر) رقيق، كل ذلك من كسوة الخليفة التي يرسلها إلى خطباء بلاده… ويتقدم وعليه السكينة والوقار يتهادى رويداً بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قوم المؤذنين وبين يديه ساعياً منهم، وفي يده عود مخروط أحمر قد ربط في رأسه مرسى من الأديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضاً فتأتي بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه إيذان بوصول الخطيب، ولا يزال في نفضها حتى يقترب من المنبر ويسمونها (الفرقعة) فإذا قرب من المنبر عرج على الحجر لأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى إلى المنبر والمؤذن الزمزمي رئيس المؤذنين بالحرم الشريف ساعياً أمامه لابساً ثياب السواد أيضاً وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد لها.
"وإذا أحب الله يوماً عبده ألقى عليه محبة الناس".
وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه عنهم من وظائف المكوس.
وفي هذا التاريخ علمنا أن كتابه وصل إلى الأمير مكثر وأهم فصول التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيسهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والإيعاز في ذلك إلى الخدام والأتباع. وقال:
(أنه إنما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج). فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم.
وفي أثناء الخطبة تركز الرايتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكها رجلان من المؤذنين، وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلف الرايتان فيهما مركوزتين، فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وعن شماله والفرقعة أمامه على الصفة التي دخل عليها. كان ذلك أيضاً إيذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم أعيد المنبر إلى موضعه بإزاء المقام.
وليلة أهل الشهر المذكور وهو جمادى الأولى بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها إلى الحرم الكريم مع طلوع الشمس وقواده يحفون به والقراء يقرأون أمامه فدخل على باب النبي (صلى الله عليه وسلم ) ورجاله السودان الذين يعرفونهم بالحرابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب وهو في هيئة اختصار (أي في غير زينة) عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم رضي الله عنهم لابساً ثوب بياض متقلداً سيفه مختصراً متعمماً بكرزية (نوع من العمائم) صوف بيضاء رقيقة فلما انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتان فصلى ركعتين ثم تقدم إلى الحجر الأسود فقبله وشرع في الطواف.
ومن أغرب ما شاهدناه من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليتة عمة الأمير مكثر، فإن أذيال ستره كانت تنسحب على الأرض انسحاباً وغيره من هوادج حرم الأمير وحرم قواده إلى غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزاً عن الإحصاء، فكانت تلوح على ظهور الإبل كالقباب المضروبة، فيخيل للناظر إليها أنها محلة قد ضربت أبنيتها من كل لون رائق…. وقد أشعلت النيران بحافتي الطريق كله والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها هوادج من يشار إليه من عقائل نساء مكة.
وفي التاسع والعشرين منه وهو يوم الخميس، أفرد البيت للنساء خاصة، فاجتمعن من كل أوب، وقد تقدم احتفالهن لذلك بأيام كاحتفالهن للمشاهد الكريمة، ولم تبق امرأة بمكة إلا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم، فلما وصل الشيبيون لفتح البيت الكريم على العادة، وأسرعوا في الخروج منه وأخرجوا للنساء عنه. وأخرج الناس لهن عن الطواف وعن الحجر ولم يبق حول البيت المبارك أحد من الرجال تبادر النساء إلى الصعود حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم، وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن حتى تواقعن، فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهللة، وتمادين على ذلك صدراً من النهار وانفسحن في الطواف والحجر وتشفين من تقبيل الحجر واستلام الأركان…. وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات يرين البيت الكريم ولا يلجنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستلمنه…
وتستعمل الفرقعة في رمضان بين الصلوات ثلاث مرات بعد صلاة المغرب وثلاث مرات بعد صلاة العشاء وهذه هي العادة الجارية في هذا الحرم المقدس….
وفي ليلة الثلاثاء الثاني من الشهر مع العشي طاف الأمير مكثر بالبيت مودعاً وخرج للقاء الأمير سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخي صلاح الدين، وقد تقدم الخبر بوروده من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صح وصوله إلى ينبع وأنه عرّج إلى المدينة لزيارة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وتقدمت أثقاله (أحماله) إلى الصفراء (قرية فوق ينبع) ويقال: إن وجهته اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها، لكن وقع في نفوس المكيين منه أوجاس خيفة واستشعار خشية، فخرج الأمير مكثر متلقياً ومسلماً وفي الحقيقة مستسلماً والله تعالى يعرف المسلمين خيراً….
وسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة يولولن فبينما نحن كذلك دخل منصرفاً من لقاء الأمير سيف الإسلام المذكور وطاف بالبيت المكرم طواف التسليم. والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه والسرور بسلامته، وقد شاع الخبر بنزول سيف الإسلام الزاهر وضرب أبنيته فيه ومقدمته من العسكر قد وصل إلى الحرم وزاحمت الأمير مكثر في الطواف. فبينما الناس ينظرون إليهم إذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة فما راعهم إلا الأمير سيف الإسلام داخلاً من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره، والمسجد قد ارتج وغصّ بالنظارة الوافدين والأصوات بالدعاء له ولأخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الأسماع وأذهلت الأذهان، والمؤذن الزمزمي في مرقبته (مكان عال) رافعاً عقيرته بالدعاء له والثناء عليه وأصوات الناس تعلو صوته والهول قد عظم مرأى ومستمعاً، فلحين دنو الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطاشت الألباب مهابة وتعظيماً لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار… ثم تهافتت هذه العصابة على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح وقد نكس أذقانهم الخضوع وبلت سبالهم الدموع وطاف القاضي وزعيم الشيبيين بسيف الإسلام والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر إلى منزله.
وعندما أكمل سيف الإسلام طوافه صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم وشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا إلى السعي، فابتدأه ماشياً على قدميه تواضعاً وتذللاً لمن يجب التواضع له والسيوف مسلولة أمامه وقد اصطف الناس من أول المسعى إلى آخره.
وفي ضحوة يوم الخميس كنا أيضاً بالحجر المكرم فإذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الآذان وارتجت لها نواحي الحرم الشريف، فبينما نحن نتطلع لاستلام خبرها طلع علينا الأمير مكثر وحاشيته (أقاربه) الأقربون حوله وهو داخل في حلة ذهب كأنها الجمر المتقد يسحب أذيالها وعلى رأسه عمامة رقيقة سحابية اللون قد علا كورها على رأسه كأنها سحابة مركومة وهي مصفحة بالذهب وتحت الحلة خلعتان من الدبيقي المرسوم البديع الصنعة. خلعها عليه الأمير سيف الإسلام فوصل بها فرحان جذلان والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الإسلام إشادة بتكرمه وإعلاماً بمأثرة منزلته، فطاف بالبيت المكرم شكراً لله على ما وهبه من كرم هذا الأمير بعد أن كان أوجس في نفسه خيفة منه، والله يصلح ويوفقه بمنّه.
فلما كان صباح العيد وقضى الناس صلاة الفجر لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد في المسجد الحرام لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس إليه فأول من بكر الشيبيون وفتحوا باب الكعبة المقدسة وأقام زعيمهم جالساً في العتبة المقدسة وسائر الشيبيين داخل الكعبة إلى أن أحسوا بوصول الأمير مكثر فنزلوا إليه ولقوه قرب باب النبي (صلى الله عليه وسلم ) فانتهى إلى البيت المكرم وطاف حوله أسبوعاً(4) والناس قد احتفلوا لعيدهم والحرم قد غص بهم والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة عمل العادة رافعاً صوته بالثناء عليه والدعاء له متناوباً في ذلك مع أخيه، فلما أكمل الأمير الأسبوع عمد إلى مصطبة قبة زمزم مما يقابل الركن الأسود فقعد بها وبنوه عن يمينه ويساره ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه وعاد الشيبيون إلى مكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بأبصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم من حجابته وسدانته فسبحان من خصهم بشرف خدمته. وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة فأنشدوه واحداً إثر واحد إلى أن فرغوا من إنشادهم.
فأقبل الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين، والفرقعة المتقدم ذكرها أمامه، وقد صك الحرم صوتها، وهو لابس ثياب سواده، فجاء إلى المقام الكريم، وقام الناس للصلاة، فلما قضوها رقي المنبر، وقد ألصق إلى موضعه المعين له كل جمعة، ومن جدار الكعبة المكرمة، حيث الباب الكريم شارعاً، فخطب خطبة بليغة، والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر، فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره، إلى أن فرغ من خطبته.
وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله، وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدحمين عليه فوجاً فوجاً. فكان مشهداً عظيماً وجمعاً بفضل الله تعالى مرحوماً، جعله الله ذخيرة للمعاد، كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد، بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركاً باحتساب الخطا إليها، والدعاء بالرحمة لمن فيها من عباد الله الصالحين من الصدر الأول وسواه، رضي الله عن جميعهم، وحشرنا في زمرته، ونفعنا بمحبتهم، فالمرء، كما قال (صلى الله عليه وسلم ) مع من أحب.
وفي يوم الاثنين الخامس أو الرابع من هذا الشهر وصل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن، خرج منها فارّاً أمام سيف الإسلام المتوجه إلى اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال عظيمة وأموال لا تحصى كثرة لأنه طال مقامه في تلك الولاية واتسع كسبه. وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر… لحقت جلبه حراريق الأمير سيف الإسلام فأخذت جميع ما فيها من الأثقال، وكان قد استصحب الخفيف النفيس الخطير مع نفسه إلى البر وهو في جملة من رجاله وعبيده، فسلم به، ووصل مكة بعير موقرة متاعاً ومالاً دخلت على أعين الناس إلى داره التي ابتناها بها بعد أن قدم نفيس ذخائره وفاض ماله وجملة رقيقه وخدمه ليـلاً.
وبالجملة فحاله لا توصف كثرة واتساعاً، والذي انتهب له أكثر، لأنه كان في ولايته يوصف بسوء السيرة مع التجار، وكانت المنافع التجارية كلها راجعة إليه، والذخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة إلى يديه، فاكتسب سحتاً عظيماً، وحصل على كنوز قارونية، لكن حوادث الأيام قد ابتدأت بالخسف به، ولا يدري حال أمره مع صلاح الدين كيف يكون، والدنيا مفنية محبيها، وآكلة بنيها، وثواب الله خير ذخيرة، وطاعته أشرف غنيمة، لا إله سواه.
وبقيت الشهادة مضطربة في أمر هذا الهلال المبارك الميمون إلى أن تواصلت الأخبار برؤيته ليلة الخميس الذي وافق الخامس عشر من مارس، شهد لذلك ثقات من أهل الزهد والورع يمنيون وسواهم من الواصلين من مكة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوقفه في القبول وإرجاء الأمر إلى وصول المبشر المعلم بوصول الأمير العراقي ليتعرف من قبله من عند أمير الحاج في ذلك.
فلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر، وكانت نفوس أهل مكة قد أوجست خيفة لبطئه حذراً من حقد الخليفة على أميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه. فكان وصول هذا البشير أماناً وتسكيناً للنفوس الشاردة، فوصل مبشراً ومؤنساً، وأعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور. وتواترت الأنباء بذلك، فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة أوجبت خطبته في ذلك اليوم على ما جرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة إثر صلاة الظهر، علم الناس فيها مناسكهم، ثم أعلمهم أن غدهم هو يوم الصعود إلى منى، وهو يوم التروية، وأن وقفتهم يوم الجمعة، وأن الأثر الكريم فيها عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) بأنها تعدل سبعين وقفة، ففضل هذه الوقفة في الأعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام.
فتكامل جمع الناس بعرفات يوم الخميس وليلة الجمعة كلها. وفي نحو الثلث الباقي من ليلة الجمعة المذكورة وصل أمير الحاج العراقي فضرب أبنيته في البسيط الأفيح، مما يلي الجانب الأيمن من جبل الرحمة في استقبال القبلة.
والقبلة في عرفات هي إلى مغرب الشمس، لأن الكعبة المقدسة في تلك الجهة منها فأصبح يوم الجمعة المذكورة في عرفات جمع لا شبيه له إلا الحشر، لكنه إن شاء الله تعالى حشر للثواب، مبشر بالحرمة والمغفرة يوم الحشر للحساب؛ زعم المحققون من الأشياخ المجاورين أنهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعاً أحفل منه، ولا أرى كان من عهد الرشيد، الذي هو آخر من حج من الخلفاء، جمع في الإسلام مثله، جعله الله جمعاً مرحوماً معصوماً بعزته.
فلما جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين، وإلى الله عز وجل في الرحمة متضرعين، والتكبير قد علا، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤي يوم أكثر مدامع، ولا قلوبا خواشع، ولا أعناقاً لهيبة الله خوانع من ذلك اليوم. فما زال الناس على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب. وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجد الصغير المذكور. وأخذ السرو اليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبل عرفات المتوارثة عن جدّ فجد من عهد النبي (صلى الله عليه وسلم ) لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى.
وكان المجتمع منهم في هذا العام عدداً لم يجتمع قط مثله. وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين، واحدتهن خاتون، ومن السيدات بنات الأمراء كثير، ومن سائر العجم عدد لا يحصى، فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي لأن مذهب مالك، رضي الله عنه، يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وقت المغرب. ومن السرو اليمنيين من نفر قبل ذلك. فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعاً ارتجت له الأرض ووجفت الجبال، فيا له موقفاً ما أهول مرآه وأرجى في النفوس عقباه! جعلنا الله ممن خصه فيه برضاه، وتغمده بنعماه، إنه منعم كرم، حنان منان.
وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر، بهية العدة، رائقة المضارب والأبنية، عجيبة القباب والأروقة، على هيئات لم ير أبدع منها منظراً. فأعظمها مرأى مضرب الأمير، وذلك أنه أحدق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة، وهيكلها سواد في بياض، مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض، وقد جللت صفحات ذلك السرادق من جوانبه الأربعة كلها أشكال درقية من ذلك السواد المنزل في البياض يستشعر الناظر إليه مهابة يتخيلها درقاً لمطية(5) وقد جللتها مزخرفات الأغشية.
ولهذا السرادق الذي هو الكسور المضروب أبواباً مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة، يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم يفضي منها إلى الفضاء الذي فيه القباب. وكأن هذا الأمير ساكن في مدينة قد أحدق بها سورها تنتقل بانتقاله وتنزل بنزوله، وهي من الأبهات الملوكية المعهودة التي لم يعهد مثلها عند ملوك المغرب.
وداخل تلك الأبواب الأمير وخدمه وحاشيته، وهي أبواب مرتفعة يجيء الفارس برايته فيدخل عليها تدون تنكيس ولا تطأطؤ، قد أحكمت إقامة ذلك كله أمراس وثيقة من الكتان تتصل بأوتاد مضروبة، أدير ذلك كله بتدبير هندسي غريب. لسائر الأمراء الواصلين صحبة هذا الأمير مضارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة، وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة، إلى ما يطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الأحوال وعظيم الانخراط في المكاسب والأموال.
ولهم أيضاً في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الأعواد يسمونها القشاوات، وهي كالتوابيت المجوفة هي لركابها من الرجال والنساء كالأمهدة للأطفال، تملأ بالفرش الوثيرة، ويقعد الراكب فيها مستريحاً كأنه في مهاد لين فسيح وبإزالته معادله في مثل ذلك من الشقة الأخرى، والقبة مضروبة عليهما، فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران، أو كيفما أحبا، فعندما يصلان إلى المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين إن كان من أهل الترفه والنعم فيدخل بهما راكبين وينصب لهما كرسي ينزلان عليه، فينتقلان من ظل قبة المحمل إلى قبة المنزل دون واسطة هواء يلفحهما ولا خطفة شمس تصيبهما. وناهيك من هذا الترفيه! فهؤلاء لا يلقون لسفرهم، وإن بعدت شقته، نصباً، ولا يجدون على طول الحل والترحال تعباً.
ودون هؤلاء في الراحة راكبو المحارات(6)، وهي شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب، لكن الشقادف أبسط وأوسع، وهذه أضخم وأضيق، وعليها أيضاً ظلائل تقي حر الشمس ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار فقد حصل على نصيب السفر الذي هو قطعة من العذاب.
ثم رجع القول إلى استيفاء حال النفر عشية الوقفة المذكورة بعرفات، وذلك أن الناس نفروا منها بعد غروب الشمس، كما تقدم الذكر، فوصلوا مزدلفة مع العشاء الآخر، فجمعوا بها بين العشاءين، حسبما جرت به سنة النبي صلي الله عليه وسلم واتقد المشعر الحرام تلك الليلة بمشاعل من الشمع المسرج، وأما مسجده المذكور فعاد كله نوراً، فيخيل للناظر إليه أن كواكب السماء كلها نزلت به. وعلى هذه الصفة كان جبل الرحمة ومسجده ليلة الجمعة؛ لأن هؤلاء الأعاجم الخراسانيين وسواهم من العراقيين أعظم الناس في استجلاب هذا الشمع والاستكثار منه إضاءة لهذه المشاهد الكريمة، وعلى هذه الصفة عاد الحرم بهم مدة مقامهم فيه، فيدخل منهم كل إنسان بشمعة في يده، وأكثر ما يقصدون بذلك حطيم الإمام الحنفي لأنهم على مذهبه، وشاهدنا منه شمعاً عظيماً أحضر منه، تنوء الشمعة منه بالعصبة كأنه السرو، ووضع أمام الحنفي.
فبات الناس بالمشعر الحرام هذه الليلة، وهي ليلة السبت، فلما صلوا الصبح غدوا منه إلى منى بعد الوقوف والدعاء، لأن مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ففيه تقع الهرولة في التوجه إلى منى حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وهو المستحب، ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى، وكل ذلك واسع(7). فلما انتهى الناس إلى منى بادروا الرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم نحروا أو ذبحوا وحلوا من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة. ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر. ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني، ومنه من أقام إلى اليوم الثالث، وهو يوم الانحدار إلى مكة فلما كان اليوم الثاني من يوم النحر، عند زوال الشمس، رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات، وبالجمرة الوسطى كذلك، وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء، وبجمرة العقبة كذلك ولا يقفون بها، اقتداء في ذلك كله بفعل النبي (صلى الله عليه وسلم ) فتعود جمرة العقبة في هذين اليومين أخيرة، وهي يوم النحر أولى منفردة لا يخلط معها سواها.
وفي اليوم الثاني من يوم النحر، بعد رمي الجمرات، خطب الخطيب بمسجد الخيف، ثم جمع بين الظهر والعصر، وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي مقدماً من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على ما يذكر، ويعرف بتاج الدين وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته أعربت عن ذلك، ولسانه لا يقيم الإعراب.
فلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدار إلى مكة بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين جمرة: سبع منها يوم النحر بالعقبة، وهي المحللة؛ ثم إحدى وعشرون في اليوم الثاني، بعد زوال الشمس، سبعاً سبعاً في الجمرات الثلاث؛ وفي اليوم الثالث كذلك، ونفروا إلى مكة؛ فمنهم من صلى العصر بالأبطح، ومنهم من صلاها بالمسجد الحرام، ومنهم من تعجل فصلى الظهر بالأبطح. ومضت السنة قديماً بإقامة ثلاثة أيام، بعد يوم النحر بمنى لإكمال رمي سبعين حصاة، فوقع التعجيل في هذا الزمان في اليومين كما قال الله تبارك وتعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } (
وقد كانت في يوم الانحدار المذكور بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلت السيوف وفوقت القسي ورميت السهام وانتهب بعض أمتعة التجار، لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق، يباع فيها من الجوهر النفيس إلى أدنى الخرز، إلى غير ذلك من الأمتعة وسائر سلع الدنيا، لأنها مجتمع أهل الآفاق, فوقى الله شر تلك الفتنة بتسكينها سريعاً. وكانت عين الكمال في تلك الوقفة الهنية، وكمل للناس حجهم، والحمد لله رب العالمين.
وفي يوم السبت، يوم النحر المذكور، سبقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراقي إلى مكة على أربعة جمال، تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية، والرايات على رأسه، والطبول تهرّ(9) وراءه، وابن عم الشيبي محمد بن إسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات اشتهرت عنه، والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدامه بمنه.
وهذا ابن العم المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالاً، وقد تقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة. فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسناً، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه إلى المقام الكريم حيث الباب المكرّم، وهو وجهها المبارك، بعد البسملة:{ إن أول بيت وضع للناس}(10)، وفي سائر الصفحات اسم الخليفة والدعاء له، وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط دقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضاً، فكملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صوناً لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها. فلاح للنظارين منها أجمل منظر، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر، أمتع الله بالنظر إليها كل مشتاق إلى لقائها حريص على المثول بفنائها بمنه.
|
29 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخاً في مضيق ذلك المعترك الذي حمي بأنفاس الشوق وطيشه، والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته.
وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك، إثر صلاة العتمة، نصب منبر الوعظ إمام المقام، فصعد واعظ خراساني حسن الشارة مليح الإشارة، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان، فصيح المنطق، بارع الألفاظ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم إطراباً ويذيبهم زفرات وانتحاباً.
فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي، فصعد إثر صلاة العتمة أيضاً شيخ أبيض السبال، رائع الجلال، بارع التمام في الفضل والكمال، فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة، ثم تصرف في أساليب الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضاً، حرك بها القلوب حتى أطارها وأورثها احتداماً بالخشية بعد استعارها. وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ، فتحار له الألباب، ويملك كل نفس منع الإغراب والإعجاب، فكأنما هو وحي يوحى"(11).
هكذا كانت مناسك الحج في النصف الثاني من القرن الثاني عشر أي عهد نهاية حكم الأمير مكثر.
كان قتادة حاكم مكة الجديد الذي أطاح بمكثر وخلفه بقوة السلاح قد لاحظ بلا ريب صعود نجم القائد الكردي الشهير صلاح الدين يوسف الأيوبي، وكان القائد العسكري نور الدين محمود ابن زنكي أحد كبار قادة العباسيين قد جعل نفسه نموذجاً وقدوة لصلاح الدين عندما أعلن نفسه ملكاً على سورية في ظل الخلافة العباسية. وقام نور الدين زنكي بإرسال صلاح الدين إلى مصر وبعد أن أخضعها عين نفسه حاكماً عليها ثم ملكاً عليها عام 1169 رغم أن آخر خلفاء الفاطميين كان على قيد الحياة لم يمت إلا بعد ذلك بثلاث سنوات. وفي عام 1171 أمر صلاح الدين بأن يتم الدعاء في خطبة الجمعة إلى الخليفة العباسي في بغداد (المقتدي) بدل الفاطميين الذين حكموا مصر زهاء قرنين.
وكان المصريون يعتبرون المدن المقدسة في الحجاز جزءاً من الممتلكات المصرية وفي عام 1173 أوفد صلاح الدين شقيقه توران شاه المعظم لحكم الجزيرة العربية من اليمن. وهو الذي أصدر أمره بعد سنتين باسم الخليفة العباسي وطلب بموجبه من داود (ابن عيسى ابن فليتة) أمير مكة بالتنازل عن الحكم لمصلحة شقيقه مكثر.
وتواصل ورود الأخبار من الشمال عن الانتصارات، فقد استطاعت القوات الإسلامية تحرير طرابلس من النورمانديين عام 1172 كما أن صلاح الدين احتل سورية بأكملها بعد سنتين لدى وفاة سيده وولي نعمته (نور الدين زنكي)، وسرعان ما احتل الموصل وضم حلب إلى ممتلكاته. وفي عام 1180 بدأت القوات الصليبية في القدس تعد لمعركة حاسمة مع قوات صلاح الدين.
كان الفارس الفرنسي (رينو دي شاتيلون) يحكم الأراضي عبر الأردن وقلاع مؤاب(12) ومونتريال (الشوبك) إلى الشرق من البحر الميت حيث كان يسيطر بذلك على طريق الحج. وقد وضع خطة جريئة وهي مهاجمة قلب الإسلام أي مكة والمدينة. وفي العام الثاني انتهك الهدنة التي عقدها مع المسلمين ووصلت قواته إلى تيماء في عمق الجزيرة العربية وقطع طريق الحج كما سلب ونهب القوافل. ثم إنه تجنب الهجوم البري وكان يعتقد أن ثمة كنوزاً في قبر الرسول (صلى الله عليه وسلم ) في المدينة. وهكذا قرر الهجوم على مكة والمدينة من البحر ورد صلاح الدين على ذلك ببناء قلعة في شمال سيناء كقاعدة متقدمة، لكن رينو في غضون ذلك استطاع احتلال ايلات (ايلة) على خليج العقبة بعد هجوم مفاجئ، ثم إنه فكك العديد من السفن في موانئ جنوب فلسطين من عسقلان وغيرها ونقلها على ظهور الجمال عبر الصحراء ووادي عربة بالإضافة إلى السفن التي بناها من أخشاب غابات الشوبك وأعاد تجميع كافة هذه السفن في ميناء (ايلات) حيث صنع خمس سفن عملاقة تحمل كل واحدة منها ألف رجل وعدة سفن أصغر. ثم قاد هذا الأسطول بنفسه وهاجم وسلب المدن والبلدات الساحلية غرب الجزيرة العربية وذلك قبل أن يعود صلاح الدين من إحدى حملاته في شمال العراق. وكانت السفن الصليبية تعمل بالمجاديف وبالتالي كانت أقدر على المناورة والحركة من السفن الشراعية العربية واستطاع الصليبيون بهذه القوة البحرية قطع الاتصالات عن الموانئ الصغيرة والاستيلاء على السفن التجارية وتعطيل وتحطيم المواصلات الإسلامية… كانت السفن الصليبية تستولي على كافة السفن التي تصادفها وتستولي على حمولاتها واستمر الأمر كذلك سنة كاملة 1182 – 1183 وإلى الجنوب على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر عند رأس بناس هاجم الصليبيون ميناء (عيذاب) الذي كان في منتهى الأهمية للحجاج الذين يسافرون من وادي النيل إلى مكة بحراً، كما أحرقوا السفن التجارية وأغرقوا سفينة تحمل حجاجاً إلى جدة… واستعان الصليبيون في حملاتهم تلك من حيث إرشادهم في البحر بالأسرى المسلمين… وواصل الصليبيون حملاتهم باتجاه الشمال على الساحل المصري واستولوا على قوافل قادمة من القصير. وظهر رجال رينو في كافة الموانئ العربية في البحر الأحمر بما في ذلك رابغ وحواره.. والأولى شمال والثانية جنوب ينبع حيث قلعة قتادة، بل إنهم ظهروا في باب المندب وحتى عدن حيث يقال: إنهم أسروا شيوخاً ورجال دين مسلمين وبذلك أغلقوا بوابة البحر الأحمر.
في غضون ذلك نظم العرب في القاهرة هجومهم المضاد. ولم يكن لدى الملك العادل (شقيق صلاح الدين ونائبه خلال حملاته) أي سفينة حربية في البحر الأحمر، لكنه قلد رينو حيث فكك السفن في نهر النيل والإسكندرية ونقلها قطعاً فوق الجمال إلى… (البحر الأحمر في بداية عام 1183 وأنيطت قيادة الأسطول الصلاحي بحسام الدين لؤلؤ (المعروف باسم الحاجب) الذي كان معروفاً بصدقاته ودرايته بشؤون البحر، وفي خلال أقل من ثلاثة أشهر استطاع الأسطول الصلاحي أن يحرق ثلاث سفن صليبية عملاقة ويأسر ملاحيها وجنودها… ثم إنه هاجم في أواسط الصيف الأسطول الصليبي قبالة الحوارة، ودمر معظم سفنه وسبح الملاحون إلى البر وحاولوا الالتحاق بالجيش الصليبي البري الذي كان يزحف على المدينة. وبعد خمسة أيام من السير في الشعاب والمتاهات الصحراوية أصبحوا على بعد مسيرة يوم من المدينة بإرشاد أسرى مسلمين، وعندما حاولوا أخذ قسط من الراحة فوق هضبة صحراوية هاجمهم المسلمون وقتلوا معظمهم وأسروا الباقين وكان عدد الأسرى (170) مقاتلاً صليبياً معظمهم من الفرنسيين. وتم قتل بعضهم بقطع الرأس في المكان المخصص للنحر في منى خارج مكة (المكرمة) كما قطعت رؤوس بعضهم في المدينة (المنورة) بينما أرسل من تبقى منهم إلى مصر لعرضهم على الناس قبل قتلهم على أيدي طلبة علوم الدين والدروايش.
ويصف لنا ابن جبير الأسرى الذين رآهم هناك في طريقه إلى الحج من مصر على النحو التالي:
"ولما حللنا بالإسكندرية، عاينا مجتمعاً عظيماً من الناس برزوا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق، فسألنا عن قصتهم فأخبرنا بأمر تنفطر منه الأكباد إشفاقاً وجزعاً. وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم(13) ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه، فلما وصلوا بساحل البحر وركبوها قاطعين بالحجاج وانتهوا إلى بحر النعم(14) فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركباً وانتهوا إلى عيذاب فأخذوا فيها مركباً كان يأتي بالحجاج من جدة وأخذوا أيضاً في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص إلى (عيذاب) وقتلوا الجميع ولم يتركوا أحداً وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي إلى ذلك الموقع قط.
ومن أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة وذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وإخراجه من الضريح المقدس، أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم، فأخذهم الله باجترائهم عليه وتعاطيهم ما تحول عناية القدر بينهم وبينه، ولم يكن بينهم وبين المدينة المنورة أكثر من مسيرة يوم، فدفع الله عاديتهم بمراكب عمرّت(15) من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد من المغاربة البحريين، فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذوا عن آخرهم، وكانت آية من آيات العناية الجبارة، وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف عن شهر ونصف أو جلوه، وقتلوا وأسروا وفرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، ووجه منهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمراً عظيماً، والحمد لله رب العالمين"(16).
وقرر صلاح الدين القضاء نهائياً على هذا التهديد الذي تتعرض له مكة المكرمة فأمر قواته بالتحرك للاستيلاء على قلعة رينو وبدأ الحصار بقيادة صلاح الدين نفسه في خريف ذلك العام. وتزامن الحصار مع حفلة زواج ابن زوجة رينو، وفي ليلة الزفاف بدأت القذائف وكتل النار المشتعلة تتساقط على القلعة وسط المدعوين والموسيقيين والراقصين والمهرجين واللاجئين الذين لاذوا بالقلعة من القرى الصليبية المجاورة بعد أن شاهدوا تقدم قوات صلاح الدين في أراضيهم. وسمع بالحصار الملك بلدوين الرابع في القدس وكان مريضاً وضريراً وبه مشلول لكنه مع ذلك قاد جيشه لنجدة قلعة رينو في الشوبك.
لكن رينو على أي حال لم يعش طويلاً، فقد استطاع صلاح الدين إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الصليبية في حطين قرب بحيرة طبريا عام 1187 فسقطت مملكة القدس وأسر صلاح الدين معظم ملوك وأمراء الصليبيين بما في ذلك رينو (شيطان الغرب) الذي هاجم الحجاز وهو العدو الشخصي لصلاح الدين وقد تم إعدامه بقطع رأسه أمام صلاح الدين، ويؤكد بعض المؤرخين العرب أن صلاح الدين قتله بنفسه.
كان قتادة في الثانية والثلاثين من عمره عندما ظهر أسطول رينو في موانئ البحر الأحمر. وتم القضاء على قواته البرية على مسيرة يوم من المدينة كما أسلفنا. وكان قتادة قد حقق شهرة لنفسه كأحد أبرز الفرسان بعد أن هزم قبيلة حرب(17) واستولى منها على ميناء ينبع ومنطقة الصفراء وهي الممر الرئيسي بين الشمال والجنوب. كما هزم بني علي وبني أحماس وبني إبراهيم. ولا شك أن جزءاً من شهرته العسكرية يعود إلى إلحاقه الهزيمة بالصليبيين الذين حاولوا التقدم نحو المدينة وأسرهم.
بعد أن نجح حنظلة ابن قتادة باحتلال مكة المكرمة حاول محمد بن مكثر القيام بهجوم مضاد لكنه فشل كما حاول آخرون طرد قوات قتادة من مكة المكرمة بدعم سالم (ابن قاسم الحسيني) أمير المدينة، لكن كافة المحاولات باءت بالفشل، وظل أمير المدينة مستقلاً زهاء عامين عندما تمكن قتادة من قيادة جيش منظم ومهاجمتها بنفسه واحتلالها، ثم عاد إلى مكة ليكمل إخضاع الحجاز فأرسل حملة تأديبية ضد قبيلة ثقيف إلى الشرق من مكة وإلى مدينة الطائف. ويقول ابن الأثير(18) إن المعركة بين قتادة وبين سالم بن قاسم الحسيني وقعت قرب المدينة وأن أعداداً غفيرة من الفرسان والمشاة من كلا الطرفين اشتركت في القتال وأن قتادة فشل في البداية من إلحاق الهزيمة بقوات سالم غير أنه استطاع بالحيلة والأموال استمالة جنود سالم.
وفي عام 1210 ثم مرة أخرى عام 1212 حدثت مصادمات بين سكان مكة وبين الحجيج العراقي وفيما يلي خلاصة ما يرويه الفاسي حول الصدام الثاني:
كان أمير الحج العراقي (علاء الدين محمد بن الأمير ياقوت) نيابة عن والده، وهو أحد موالي الخليفة، حاكماً على خوزستان، وأمير الحج في نفس الوقت، وكان مساعده ودليله ابن أبي فراس. أما ركب الحج الشامي فكان أميره (سمسم إسماعيل) شقيق شاروخ النجمي. بينما يقود الحج الفلسطيني (علي ابن سليم) وبرفقته ربيحة خاتون شقيقة العادل (العادل سيف الدين أبو بكر شقيق صلاح الدين)(19) وبعد رمي الحجارة (الجمرات) شعائرية في منى. قفز الإسماعيليون على أحد الأشراف الذي يشبه الشريف قتادة وقتلوه ظناً منهم أنه قتادة نفسه واسم الإسماعيلي الذي قتله هو هارون ويكني (أبو عزيز) وشاع الاعتقاد بأنه من أتباع والدة جلال الدين. واستعر غضب عبيد الأشراف وخدامهم وأتباعهم فتسلقوا التلال على جانبي منى وبدؤوا برشق الحجارة بواسطة المقاليع (مفردها مقليعة وتستعمل لرشق الحجارة مسافات طويلة) من جهة وإطلاق السهام على الحجاج من جهة أخرى. وفي اليوم التالي شرعوا في نهب الحجاج ووقعت إصابات كثيرة بين الجانبين. عند ذلك تقدم ابن أبي فراس ونصح محمد ابن ياقوت بقيادة القافلة العراقية من منى نحو الزاهر وهو المكان المخصص عادة للحجيج الشامي… وعندما بدأت القافلة في التحرك اعتقد الشريف قتادة وعبيده وجنوده بأن العراقيين يريدون القتال، فهاجموا قافلة الحجيج العراقي ونهبوا كل شيء فيها، وقال الشريف قتادة بهذا الصدد: "لقد كانت غايتهم قتلي ولذلك سأقضي عليهم جميعاً" في ذلك الوقت كانت ربيحة خاتون في الزاهر ومعها ابن الستار وشقيق الشاروخ فضلاً عن الحجيج الشامي. ولجأ أمير الحج العراقي إلى خيمتها التي كانت تقيم فيها أيضاً الخاتون (والدة صلاح الدين) وبعثت ربيحة بابن الستار ليسأل قتادة: "ما هي جريمة هؤلاء الناس بعد أن عرفتهم القاتل؟ أم لعلك تبحث عن حجة لنهب الحجيج وأنت تعرف من نحن؟".
وأقسم ابن الستار أنه إذا لم يوقف قتادة انتقامه على ذلك النحو فإنه سيكابد الكثير وإن الخليفة سيتقدم بقواته من بغداد وسيتقدم السوريون من دمشق نحو مكة. ووافق قتادة بعد هذا التهديد على وقف عمليات الانتقام شريطة أن يدفع الحجاج مائة ألف دينار له كتعويض. وأخيراً جمع الحجاج بما في ذلك المبلغ الذي تبرعت به الخاتون (أم صلاح الدين) مبلغ (30) ألف دينار وسلموا المبلغ له. وظل مئات الحجاج طيلة ثلاثة أيام قرب خيمة الخاتون طلباً للحماية وبينهم جوعى وجرحى وعراة بل إن بعضهم كانوا يحتضرون وساعدتهم الخاتون بما تستطيع.
وكان قتادة على اقتناع بأن عملية الاغتيال التي كانت تستهدفه في الواقع قد خططها الخليفة بنفسه ولذلك أقسم أن يقتل الحجاج العراقيين في العام التالي" (انتهى تلخيص ما أورده الفاسي).
وهكذا عاد الحجيج العراقي في حالة يرثى لها. وبعد فترة أوفد قتادة ابنه راجح إلى بغداد فدخلها مع رجاله يحملون سيوفهم في وضعية الاستسلام والاستعداد لتسليم السيوف لرجال الخليفة فضلاً عن أنهم حملوا أكفانهم على أكتافهم وطلبوا الرحمة والغفران من الخليفة وهم على تلك الحالة. وقد صفح الخليفة عنهم، وفي العام الثاني أرسل كمية كبيرة من الهدايا والنقود إلى قتادة دون أن يطلب منه توضيح أعماله وتصرفاته التي قارفها بحق الحجيج العراقي، ثم طلب منه الخليفة المثول بين يديه في بغداد.
عندما وصل قتادة إلى الحدود العراقية قرب الكوفة استقبله مندوبو الخليفة وكان أحدهم يقود أسداً مكمماً، وتشاءم قتادة من رؤية الأسد فعاد إلى مكة بعد أن أرسل اعتذاره إلى الخليفة شعراً.
ويبدو أن الخليفة لم يمتعض من اعتذار قتادة الشعري لأنه رد عليه بالشعر أيضاً.
كان قتادة يردد أمام الناس أن حقه بالخلافة أقوى وأوضح من حق الخليفة العباسي في بغداد، وكان يعامل مندوبي مصر باستعلاء لأن المصريين سبق أن دعموا وأيّدوا أمير المدينة ضده. ويعتقد سنوك هورغرونجي في كتابه (مكة) بأن قتادة كان يعامل المصريين على ذلك النحو لاقتناعه بأنهم يميلون لمساعدة خصومه في اليمن الذين أرسلوا المبعوثين إلى مصر وغيرها طلباً للمساعدة ضده بعد أن وسع حدوده باتجاه الجنوب على ساحل البحر الأحمر. لكن حكام اليمن لم يحصلوا على شيء سوى التمنيات وبعض المال من القرى المجاورة وخاصة مصر وسورية بعد أن قام الصليبيون بمهاجمة مصر نفسها عام 1220.
ولم يفكر المصريون بفرض سلطتهم المباشرة على مكة المكرمة وذلك لوعورة وصعوبة المسالك الصحراوية التي تفصل بين مصر وبين قلب الجزيرة العربية، وكان قتادة يقول لأولاده عندما شاخ: إن الصحراء هي أفضل أسلحتهم (لقد حماكم الله وحمى بلادكم بهذه الصحارى القاحلة والبعيدة عن العمران).
وعلى أي حال، كانت علاقاته الخارجية تتلوّن دائماً حسب مقتضيات هدفه النهائي وهو أن يحكم الجزيرة العربية بما في ذلك اليمن بشكل مستقل. وبالتالي كان يعتبر أن أية معونة أو حتى مراسلات ودية بين القوى الخارجية مع أي منافس له في الجزيرة، عمل عدواني موجه ضده. ويصفه سبط الجوزي(20) بأنه طويل القامة مهيب الطلعة، متناسق التقاطيع وشجاع، يمتاز بالبساطة لدرجة أنه كان يدعو رجاله بأسمائهم ويحثهم على الصلاة وكان لا يخشى سوى الله ويعامل العبيد المتمردين والجنود في مكة بقسوة وحزم وكان مخوف الجانب لصرامته وعدله.
كان أقباش مملوكاً اشتراه الخليفة الناصر لدين الله عندما كان أقباش في الخامسة عشرة من عمره ودفع فيه خمسة آلاف دينار وهو أكبر مبلغ دفع في مملوك، ويقال: إنه كان أوسم شاب في العراق فضلاً عن فطنته وذكائه حتى أصبح رفيقاً دائماً للخليفة الذي عينه أميراً للحج ثلاث سنوات على التوالي قبل السنة التي قتل فيها. وحزن الخليفة كثيراً لدى سماعه نبأ مقتل أقباش لدرجة أنه منع الاحتفالات التقليدية التي تقام عادة لقافلة الحجيج العائدة، ولم تقرع الطبول ولا رفعت الرايات عند دخول القافلة إلى بغداد.
اشتد مرض قتادة وانهارت قواه لدرجة أنه لم يرغب في الإعراب عن رغبته أمام رجالات قبيلته بضرورة أن يخلفه الحسن ذلك أن الحسن كان قد اغتال أحد أعمامه المرشحين لخلافة والده قتادة، وارتفع عويل النساء في بطاح مكة. وثار غضب الحسن عندما سمع أن والده قد يأمر باعتقاله ومحاكمته على جريمة قتل عمه، فهرع إلى مكة مسرعاً ودخل على والده وهو على فراش الموت وخنقه بشراشف السرير(22). كان قتادة قد ناهز التسعين من عمره عند وفاته مخنوقاً أو مسموماً عام (1220). واستدعى الحسن أحد أشقائه من ينبع وكان هذا الشقيق منافساً محتملاً للحسن، ولهذا السبب أمر بقتله، فهرب كافة أشقائه. وهكذا بدأ تاريخ هذه السلالة التي استمر حكمها سبعة قرون ونصف بمأساة مروعة(23).
ووفقاً لرواية السيد السمرقندي التي أوردها الحسيني في كتابه (تنضيد العقود) فقد قام الحسن بعد ذلك بقتل أمير الحج العراقي وعلق رأسه على نافورة ماء في الحرم، والسبب الوحيد لقتل أمير الحج العراقي هو أن الحسن ارتاب به واعتقد أنه إنما حضر من العراق لدعم وتأييد شقيقه راجح.
وفي العام الثاني 1221 دخل إلى مكة حاكم اليمن ابن الملك العادل إلياس المسعود يوسف ابن ملك مصر وآخر حلقة في سلالته. وقام بمهاجمة الحسن في بطن المسعى داخل المدينة فهرب منها فاحتل جنود المسعود المدينة ونهبوها، ويقول الفاسي:
"لقد تسبب المسعود في متاعب كثيرة في حجتين على التوالي إذ إنه تحدى حق العراقيين برفع علمهم على جبل عرفات بدل اليمنيين بل إنه قتل عدة حمائم عند بئر زمزم بواسطة المقليعة وكان يسير وراء الحجاج ويضرب عراقيبهم بسيفه قائلاً: "امشوا ببطء… ببطء فالسلطان نائم ومخمور في قصره" وكان الناس يتراكضون من أمامه ذعراً لكنه في الواقع أوقف عمليات السرقة والنهب، وكان اللصوص والمجرمون يخشون سطوته".
ظل ضباط حاكم اليمن المجنون في مكة سبع سنوات، وقد حكم فيها فترة سالم الياقوت وهو عبد معتق لمسعود، وعندما توفي المسعود نتيجة الشلل الكامل(24) في مكة عام 1228 أعلن أحد ضباطه المدعو نور الدين عمر ابن علي ابن رسول، نفسه حاكماً في اليمن والجزيرة العربية.
استطاع الحسن تجميع بعض القوات في ينبع لمهاجمة القوات اليمنية في مكة لكنه مني بالهزيمة فتوجه إلى العراق سعياً للحصول على دعم الخليفة، لكنه لم يحصل على مبتغاه، وتوفي بعد فترة في بغداد ودفن في الكاظمية دون أن تكتحل عيناه برؤية مكة مرة أخرى.
وقام شقيقه راجح بمحاولة جديدة لاحتلال المدينة ومنيت محاولته الأولى بالفشل وفي عام 1229 قام بمحاولة ثانية بالتعاون مع قوات يمنية ونجح في مسعاه وبقي حاكماً إلى حين وصول القوات المصرية في موسم الحج التالي لتغيير الوضع مرة أخرى.
وفي عام 1232 قام الملك المنصور عمر ابن علي ملك اليمن، بتزويد راجح بقوة كبيرة لإخراج المصريين من مكة لكنه اضطر مرة أخرى للفرار من أمام المصريين لتفوقهم العسكري إذ كان لديهم (600) فارس بقيادة الأمير جغريل في موسم الحج التالي. وفي عام 1237 وصل نور الدين علي بن رسول من اليمن شخصياً وبرفقته ألف فارس فشن هجوماً مشتركاً مع قوات راجح على مكة وتم احتلالها.
وخلال عام توفي حاكم مصر وسورية الملك الكامل، فصارت خطبة الجمعة تقرأ باسم المنصور ملك اليمن، وبقي راجح في مكة والياً أو حاكماً باسم المنصور إلى أن وصل إلى مكة صلاح نجم الدين أيوب (الذي خلف الملك الكامل في مصر وسورية) بقوات كبيرة عام 1240 وعين حاكماً على مكة (شيحا) ابن قاسم الحسيني (حاكم المدينة) بلد راجح الذي فر من مكة مرة أخرى. وأصبح من المألوف على أي حال أن تعود القوات اليمنية إلى مكة بعد أن يغادرها الحجيج والقوات المصرية. وأمضى نور الدين مع رجاله شهر رمضان في مكة وفي نهاية الشهر استدعى (أبو سعد الحسن ابن علي ابن قتادة) وعينه والياً باسمه فحكم أربع سنوات اعتباراً من عام 1241 إلى أن قتله (جمّاز ابن حسن ابن قتادة) لدى وصوله من دمشق برفقة قوة كبيرة حصل عليها بعد أن تعهد بقراءة الخطبة باسم السلطان نصر صلاح الدين يوسف.
وهكذا أصبحت المتغيرات والتحولات تتسارع، إذ إن جمّاز لم يحكم أكثر من شهرين إلى أن عاد إلى مكة عمه راجح وقد تقدم في العمر، ففر جماز من مكة وفي عام 1254 خلف (غنيم بن راجح) والده راجح الذي حكم مكة حتى ذلك الحين زهاء ثماني مرات، ثم ظهر (إدريس ابن قتادة) بعد بضعة أشهر وأطاح بغنيم ابن راجح وكان يدعم إدريس (محمد أبو نمّي ابن أبي سعد) الذي حكم بعد ذلك زهاء خمسين عاماً باستثناء فترات قصيرة متقطعة.
كان المكيون عندما ينظرون للوراء فترة نصف قرن تقريباً أي منذ وفاة قتادة يتحسرون على حكمه الحازم والهادئ مقارنة بما حدث بعده، ومن الطبيعي أنهم كانوا مستائين من التغيرات المستمرة والقتال بين أحفاده منذ وفاته.
كانت خلافات أبناء وأحفاد قتادة وتحولهم لطلب الدعم والتأييد من مصر أو اليمن أو سورية بعكس نصيحة والدهم، شيئاً طبيعياً لأن الوطنية أو المشاعر القومية لم تكن راسخة الجذور آنذاك، وكانت النفعية شائعة، فقد تحارب الصليبيون فيما بينهم غير مرة كما أنهم كانوا يتحالفون مع المغول أو مسلمين ضد مسلمين آخرين وثمة ملاحظة أخرى وهي أن حكام مصر وسورية واليمن الذين كانوا يتنافسون فيما بينهم على من تكون الخطبة باسمه كانوا جميعاً مسلمين ويحجون إلى مكة.
(1) انظر ابن خلدون.
(2) كل ما ذكره ابن جبير مقتبس مباشرة عما قاله حرفياً ولم نترجم من الأصل الإنجليزي.
(3) يذكر س. لين بول في كتابه (السلالة المحمدية) أن طغتكين سيف الإسلام حكم اليمن والجزيرة العربية منذ 1181 حتى 1196.
(4) واضح أنه يعني سبع مرات.
(5) الدرق اللمطية: تروس منسوبة إلى لمطة في بلاد البربر.
(6) المحارات: محامل صغار توضع على الإبل.
(7) واسع/ أراد به جائزاً.
(8) سورة البقرة، الآية (203)
(9) تهرّ: تصخب.
(10) سورة آل عمران، الآية (96).
(11) الاقتباس عن ابن جبير… زار مكة المكرمة عام 1183-1184م وهي نفس النصوص التي اعتمدها المؤلف فاقتبسناها من الأصل.
(12) الكرك والشوبك.
(13) البحر الأحمر.
(14) من الواضح أنه يقصد البحر المواجه لسواحل الجزيرة العربية في الجنوب (أي البحر الأحمر) نفسه.
(15) عمرت: جهزت.
(16) الاقتباس حرفي عن ابن جبير.
(17) قبيلة حرب من القبائل التي تعيش بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
(18) الكامل في التاريخ. الجزء السابع. ص 134.
(19) كان الصليبيون يسمونه (سفادين).
(20) مرآة الزمان –أحداث السنة 617 هجرية.
(21) الفاسي (شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام) ويروي ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) قصة مشابهة. بينما يقول سبط ابن الجوزي ويؤيده في ذلك ابن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية أن أقباش كان أحد مبعوثي الخليفة العباسي في بغداد إلى الملك العادل عندما كان هذا يحاصر سنجار.
(22) يقول ابن خلدون في تاريخه (زعموا أن الحسن قد سمم والده بالتواطؤ مع إحدى الجواري).
(23) لا بد هنا من وضع الحادث في ظروفه الزمانية فقد كان من المألوف صراع أبناء الأمراء أو الخلفاء أو الحكماء على الإمارة أو الخلافة أو الحكم بعد موت الوالد، وقصة ابني هارون الرشيد الأمين والمأمون معروفة، كما كان أول عمل يقوم به الخليفة العثماني قتل أشقائه خشية منافسته على المنصب أو الالتحاق بأعدائه كما حدث غير مرة.
(24) ابن القوطي (تلخيص مجمع الآداب في الألقاب) تحت سنة 262هـ.
|
29 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
الفصل الخامس :
محمد أبو نميّ الأول وأبناؤه وأحفاده (1255 – 1455)
احتفظ أولاد وأحفاد قتادة بقلعة أجدادهم في ينبع مع أنهم كانوا يحكمون مكة. وقد اعتادوا على العودة إلى قلعتهم إذا ساءت الأوضاع معهم أو فيما إذا قام عضو من الأسرة بتجريد أحدهم من منصبه وتعيين نفسه شريفاً على مكة بدلاً منه. وفي عام 1245 اشتراها منهم على نحو صوري ممثل اليمن وذلك لمنع الأبرار (أي النزول من السفن إلى البر) المصري هناك. وفي نفس الوقت عين (أبو سعد) نائباً للقائد العام ومعاوناً للقوات اليمنية في مكة، فحضر من ينبع لاستلام هذه الوظيفة والاضطلاع بمهماتها. وكانت والدته محظية حبشية تمتاز بروحها القوية وحبها للدعابة، ويروى أنها قالت لابنها (أبو سعد)(1) عندما انطلق لخوض أول معاركه: "أرجو أن تتصرف بشكل جيد يا ولدي فإذا أثبتّ شجاعتك سيقول الناس إنك من نسل الرسول وإذا لم تثبت شجاعتك فسيقولون أن السبب في تقاعسك هو أن أمك عبدة حبشية".
بعد بضع سنوات سار جمّاز ابن حسن ابن قتادة (انظر قرابته من أبي سعد في الشجرة السابقة) بقوة كبيرة من دمشق إلى مكة. وكان سلطان دمشق وحلب نصر صلاح الدين يوسف حفيد صلاح الدين قد زوّده بتلك القوة بعد أن تعهد جماز بإلقاء خطبة الجمعة باسمه في مكة. واستطاع اقتحام مكة بالقوة وقتل أبي سعد فهرب ابنه محمد أبو نمي والتجأ إلى ينبع ولم يعد إلى مكة إلى أن دخلها مع عمه إدريس ابن قتادة. وعينه عمه مساعداً له. وفي عام 1255 أصبح إدريس وابن شقيقه محمد أبو نمي على درجة من القوة تكفي للتخلص من الوالي اليمني (ابن برطاس). فأحاط الفرسان المكيون بابن برطاس وقواته وبعد معكرة قصيرة استسلم الوالي اليمني شريطة السماح له ولقواته بالانسحاب إلى اليمن بسلام وهذا ما حدث فعلاً.
وفي عام 1258 وصلت الأخبار إلى مكة عن سقوط بغداد على أيدي المغول بقيادة هولاكو الذي قتل الخليفة وأبناءه. وكانت قوافل الحجيج الفارسي قد توقفت قبل ذلك منذ (11) سنة وبعد الاحتلال المغولي لم يحضر حجاج من العراق طيلة تسع سنوات(2).
في عام 1269 قام ملك مصر (المملوك) الظاهر (ركن الدين) بيبرس البندقداري بالحج إلى مكة. وكان في معيته حشد كبير من الحجاج والجند. ويقال: إن مخيّمه كان يتزوّد بالخضراوات الطازجة يومياً وذلك بواسطة عدة محطات سبق أن تمّ تنظيمها وتزويده بالجمال للانطلاق بأقصى سرعة على طول الطريق التي سلكها. وكانت الرسائل وحتى الأزهارتصل اليه من مصر على نحو يومي طيلة الرحلة. وترك في مكة والياً قدم كسوة للكعبة تحمل اسم بيبرس مطرزاً بخيوط من الذهب.
وعلا نجم الظاهر بيبرس، والمعروف أنه مملوك شركسي اشتراه التجار من القبجاق في القوقاز وهو في العاشرة، وباعوه في دمشق بثمانمئة قطعة فضية وكان ثمة غشاء رقيق على إحدى عينيه الزرقاوتين. والظاهر بيبرس طويل وقوي البنية وصوته جهوري وكان في منتهى الصرامة والشجاعة والنشاط ومغرماً بالسفر والارتحال، فيوم في مصر ويوم في الحجاز ويوم في سورية ويوم في حلب وهكذا.
كان الظاهر بيبرس قد بلغ أوج أمجاده آنذاك ولأنه مسلم نموذجي فقد أعاد الخلافة العباسية بعد أن سقطت في بغداد فأصبح مركزها بذلك في مصر، وقد وجد متسعاً من الوقت بين حملاته العسكرية المتكررة وقام بالحج، وتجدر الإشارة بأن المماليك حكموا مصر مائتي سنة وكان الظاهر أول حاكم منهم يزور الحجاز. ويقول السير ويليام موير في كتابه (المماليك أو سلالة العبيد في مصر) ما يلي: "إننا نبحث عبثاً عن موازٍ شبيه في تاريخ العالم لعبيد اشتهروا وترأسوا على أسيادهم وأصبحوا حكاماً. لكن مجتمع المماليك استمر وتكاثر نتيجة تدفق آلاف المماليك الذين كان يشتريهم العرب والمماليك أنفسهم من تجار أسيويين. كان مملوك اليوم يتحول إلى حاكم غداً. وكانت كافة المناصب القيادية في الجيوش أو الإدارة المدنية في أيدي المماليك وقد استمر حكم (دولتهم) زهاء قرنين ونصف القرن. أي خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وربما يبدو المشهد بعيداً عن التصديق لكنه الحقيقة إذ إن المماليك حكموا مصر في البداية ثم امتد حكمهم إلى سورية".
كان بيبرس في أثناء وجوده في مكة قد بذل جهده للتوفيق بين إدريس وبين محمد (أبو نمي) اللذين نشب الخلاف بينهما قبل مجيئه. وقبل مغادرته مكة أبلغ الوالي الذي عينه بالعمل على التوفيق بينهما.
وبعد عام غادر الوالي الذي عينه بيبرس إلى مصر فعاد الخلاف بين إدريس وابن شقيقه محمد والتقت قواتهما ونشبت معركة جرح خلالها إدريس فهاجمه محمد وقطع رأسه بيده وعاد إلى مكة منتصراً.
وحسب ما يقوله الفوطي في كتابه (تلخيص مجامع الآداب في الألقاب) أن شريفاً مكياً يدعى زيد أو عبد الله ابن أبي نمي هرب إلى العراق حيث رحب به محمد الغزنوي حاكم العراق (1295 – 1404) ومنحه قرية (المهاجرية) في الحلة الصفية وهي ما تبقى من مدرسة ومكتبة المستنصرية الشهيرة التي بناها العباسيون كما وهبه منحاً أخرى. وبقي هناك إلى أن حدثت مصادمات فيما بين القبائل المحلية، فقرر العودة إلى مكة وربما حمل معه على ظهور الجمال بعض كتب المكتبة المستنصرية أو ما تبقى منها بعد أن دمرها المغول.
وفي عام 1291 وردت الأنباء المبهجة للمسلمين وهي سقوط قلعة عكا على الساحل السوري التي كانت تعتبر آخر معاقل الصليبين وبذلك اختفى حكم الصليبيين الذي استغرق زهاء قرنين ومنذئذ وحتى انقضاء خمسة قرون أخرى لم تشاهد أية قوات عسكرية غربية في الأراضي السورية أو المصرية وحتى شمال إفريقيا.
وحكم أبو نمي في مكة عام 1271 باستثناء فترات قصيرة متقطعة إلى أن أطاح به كل من جمّاز ابن شيحا حاكم المدينة وغانم ابن إدريس. ثم تبادلا الحكم معه عام 1288 إلى أن توفي في التاسع من تشرين أول (أكتوبر) 1301 وقد اعتاد ابنه حميضة أن يقول عنه: إنه يمتاز بخمس فضائل أو خصال حميدة وهي: الشرف والكرم والصبر والشجاعة وقرض الشعر. وكان أبو نمي قد تلقّب باسم (نجم الدين) لكن المؤرخين العرب يجمعون على أنه كان عسكرياً أكثر منه متديناً: "كان رجلاً قوياً ووقوراً أسمر البشرة يحب الإقامة في الصحراء أكثر من المدينة) وقد حكم الثلاثين سنة الأخيرة وحده وعلى نحو مستقل، ورغم الاضطرابات التي حدثت في أول حكمه لكنه وطد الأمن والاستقرار فيما بعد"(3) ويقول أحد المؤرخين إن أبا نمي أنجب ثلاثين ولداً بينما يقول آخر: إنه أنجب (14) ولداً و (12) بنتاً وقبل وفاته وهو في السبعين من عمره تنازل عن الإمارة لمصلحة اثنين من أولاده وهما: حميضة ورميثة وقد اتبع أحفاده هذا التقليد في التنازل عن الحكم عندما تسوء صحتهم بسبب التقدم في العمر ولضمانة تثبيت الولد المرغوب لتسلم منصب الإمارة في حياة والده الأمير وبدعم منه. وتمّ دفن أبي نمي في المعلى وفق مراسم جنائزية كانت مألوفة في أوساط الأشراف حيث يطاف بالتابوت حول الكعبة سبع مرات وبنيت فوق قبره قبة دفن تحتها بعد ذلك العديد من أشراف مكة.
وفي نفس ذلك العام 1301 حضر حاكم الكرك بيبرس الجاشنكيز للحج في مكة فقابله (أبو غيث) أحد أبناء أبي نمي وشكا له من حكم شقيقيه رميثة وحميضة، فما كان منه إلا أن أيّد ودعم أبا غيث وشقيقاً آخر له يدعى عطيفة. واستدعى كلاً من حميضة ورميثة وطلب منهما مغادرة مكة برفقته بعد أن ظهر لهما قوته. لكنهما سرعان ما تمكنا من الهرب. وعادا إلى مكة عام 1303(4) وهكذا بدأ النزاع فيما بين الأشقاء الأربعة من جهة وبين كل واحد منهم ومساعده من جهة أخرى. ومن يرغب في الاطلاع على منازعاتهم وتبادلهم للإمارة في العقد التالي فليطالع تاريخ ابن خلدون وتاريخ الفاسي.
لقد تصادم حميضة مع رميثة وهو الشقيق الأقوى، وهرب حميضة إلى العراق ولجأ عند الحاكم المغولي وطلب منه مساعدته بحملة عسكرية لاحتلال مكة مقابل الدعاء له في خطبة صلاة الجمعة.
وكان حميضة عام 1314 خلال صدام بين الأشقاء قد قتل شقيقه أبا غيث(5). ويقول ابن زيني دحلان في كتابة (الجداول المرضية) إن حميضة أخذ جثة شقيقه وأخفاها في منزله ثم إنه دعا أشقاءه إلى وليمة، وعندما وصلوا وتحلقوا حول الطعام خرج عبيده شاهري السيوف ووقف عبد وراء كل شقيق منهم بينما أحضرت جثة شقيقهم أبي غيث ليشاهدوها. كان هدف حميضة بالطبع ترويعهم وقد نجح في ذلك لدرجة أنهم بدأوا يخططون لقتله منذ ذلك اليوم. والأرجح أن ردود الفعل لتلك الوليمة هي التي أرغمته بعد ذلك على الفرار واللجوء إلى المغول في العراق.
ونحو عام 1318 عاد حميضة من العراق مع قوات شيعية ودعم مغولي وأزال رميثة عن الحكم. وسرعان ما أوفى بعهده في جعل الخطبة باسم أبي سعيد خوربندر المغولي حاكم بغداد بدل الناصر حاكم مصر. واستشاط الناصر غضباً وأرسل قوة لاعتقال حميضة الذي هرب من مكة بعد أن سمع باقتراب القوة المصرية لكنه قتل بعد ذلك عام 1320 في وادي النخل على يد مملوك تركي دفع له الحاكم المصري مكافأة. وفي غضون ذلك تحرك عطيفة الذي كان في مصر لاستلام إمارة مكة وكان معه رميثة الذي أصبح مساعداً له.
في تلك الفترة وفي محاولة من أبي سعيد المغولي حاكم بغداد لإظهار قوته وثروته إلى المكيين والحجاج الآخرين فقد أرسل محملاً ذهبياً بلغت كلفته (250) ألف دينار، لكن الناصر حاكم مصر استرد شعبيته في الأراضي المقدسة بما أرسل للحجازيين وخاصة في المدينة ومكة من قمح ومواد تموينية أخرى.
ويصف (أ. و. بوفيل) في كتابه (قوافل الصحارى القديمة: مقدمة في تاريخ غرب السودان) حجة منسّى موسى على النحو التالي:
"وصل الإمبراطور الزنجي إلى مكة عام 1325 للحج، وكانت حجته في غاية الفخامة لدرجة أن اسمه سرعان ما انتشر في العالم المتحضر وعلى نطاق واسع. لقد شرع في عبور الصحراء الإفريقية عام 1324 في السنة السابعة عشرة من حكمه وبرفقته آلاف الأتباع. كان يمتطي صهوة حصان يتقدمه خمسمائة عبد قوي البنية كل واحد منهم يحمل قضيباً من الذهب يزن خمسمائة مثقال (أي زهاء ثلاثة كيلوغرامات) وبين أحماله فوق الجمال مائة كيس من الذهب يزن الكيس الواحد ثلاث قناطير (أو ثلاثمائة باوند أي زهاء (150) كيلوغراماً). واجتازت القافلة الفخمة والضخمة في آن منطقتي الوالاتا والتوت، ومن هناك إلى القاهرة في الطريق إلى مكة، كان من شأن ورع وتدّين منّسى موسى وكرمه الشديد وملابسه الفخمة وسلوك أتباعه المهذبين أن ترك انطباعاً رائعاً عنه، كان مظهر الإمبراطور بقامته وشحوب وجهه متميزاً، ولم يكن الهدف من الرحلة إلا القيام بواجبه الديني ورغم فخامة القافلة وأبهتها فلم يكن من ورائها أي هدف سياسي، بل إن أعوانه أقنعوه بصعوبة بضرورة أن يوقف صلواته وتلاوته للقرآن فترة وجيزة حتى يقوم بزيارة رسمية إلى سلطان مصر. وعندما حان الوقت لإكمال الرحلة نحو الحجاز أمر سلطان مصر بترتيبات معينة لتأمين الراحة للإمبراطور الزنجي في رحلته.
لقد زار العمري القاهرة بعد اثنتي عشرة سنة من وصول منسّى إليها في طريق عودته إلى بلاده. ويقول العمري إنه وجد الناس ما يزالون يمتدحون الإمبراطور منّسي ويثنون عليه أفضل الثناء، وتعود شعبيته هذه إلى كميات الذهب التي وزعها في القاهرة من جهة وبسبب الأرباح والمكاسب التي حققها القاهريون من التجارة مع مرافقيه وأتباعه الذين كان الواحد منهم يشتري الثوب بخمسة دنانير بينما لا يزيد ثمنه عن دينار واحد من جهة أخرى. وقد اشترى الزنوج ملابس فاخرة كما اشتروا العبيد من سوق العبيد في القاهرة، وخاصة العبيد البيض (المماليك). وبعد زيارة منّسى موسى للقاهرة في طريقه إلى مكة وفي طريق عودته منها ازدادت كميات الذهب المتداولة في مصر لدرجة انخفضت معها قيمته، ويؤكد العمري أن قيمة الذهب في مصر كانت أقل منها في سورية عند زيارته لها.
ولم يقتصر بذخ منّسي موسى ورفاقه في الإنفاق على القاهرة، فعندما وصل إلى مكة كان أشد كرماً، وليس عجيباً بعد ذلك إذا علمنا أن خزائنه فرغت بعد عودته إلى بلاده وتعين عليه أن يملأها مرة أخرى بالذهب والموارد الأخرى".
ويضيف بوفيل في كتابه (قوافل الصحارى القديمة): "في طريق عودته اصطحب معه شاعراً من غرناطة يدعى (السهلي) تعرف عليه في مكة. وبينما كان منّسي يقطع الصحراء في طريق عودته وصلت إليه الأنباء بسقوط مدينة (غاو) عاصمة سونغاي في وسط النايجر، وأن أحد قادته المدعو ساغمانديا هو الذي احتل غاو، وابتهج منّسي بذلك كثيراً وقرر زيارة غاو قبل عودته إلى بلاده فدخلها بأبهة وفخامة ليستقبله على بوابتها ملك سونغاي بنفسه ويقدم له الخضوع والاحترام".
وهكذا انتهت رحلة الحج التي قام بها منّسى إمبراطور وسط إفريقيا بالغ الثراء والكرم والورع.
وثمة رحالة آخر زار المنطقة في تلك الفترة وهو ابن بطوطة الذي يسمى بحق (أمير الرحالة) ويصف مكة في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) على النحو التالي(6):
"وكانت إمارة مكة في عهد دخولي إليها للشريفين الأجلين الأخوين أسد الدين رميثة وسيف الدين عطيفة ابني الأمير أبي نمّي بن أبي سعد بن علي بن قتادة الحسنيين، ورميثة أكبرهما سناً ولكنه كان يقدم اسم عطيفة في الدعاء له بمكة لعدله، ولرميثة من الأولاد أحمد وعجلان وهو أمير مكة في هذا العهد، وتقيّة وسند وأم قاسم. ولعطيفة من الأولاد محمد ومبارك ومسعود ودار عطيفة عن يمين المروة ودار أخيه رميثة برباط الشرابي عند باب بني شيبة وتضرب الطبول على باب كل واحد منهما عند صلاة المغرب من كل يوم.
"ويعرف أهل مكة بالأخصال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء… فإذا طبخ(7) أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله وتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له ولا يردّهم خائبين ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي نصفها أو ثلثها طيب النفس بذلك… وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس وأكثر ملابسهم البياض فنرى ملابسهم أبداً ناصعة ساطعة ويستعملون الطيب كثيراً ويكتحلون ويكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف، وهن يكثرن التطيب حتى إن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيباً، وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة وتغلب على الحرم رائحة طيبهن وتذهب المرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقاً…
"وكان بمكة أيام مجاورتي بها حسن المغربي المجنون وأمره غريب وشأنه عجيب وكان قبل ذلك صحيح العقل خادماً لولي الله تعالى نجم الدين الأصبهاني أيام حياته وقد سحره وأخذ عقله أحد الأولياء، وإذا جاع خرج إلى السوق بين الصفا والمروة فيأكل هناك ما يحب لا يصده أحد ولا يمنعه لأن من يأكل عنده تظهر البركة والنماء في بيعه، ومتى أتى السوق تطاول الناس بأعناقهم إليه، كل منهم يحرص على أن يأكل من عنده لما جربوه من بركته ولم يزل دأبه كذلك حتى سنة ثمان وعشرين فحج فيها الأمير سيف الدين يلْمَلَك فاستصحبه معه إلى ديار مصر فانقطع خبره نفع الله تعالى به.
ومن عاداتهم في يوم الجمعة أن يلصق المنبر المبارك إلى سفح الكعبة الشريفة… فإذا خرج الخطيب أقبل لابساً ثوباً أسود معتماً بعمامة سوداء وعليه طيلسان أسود كل ذلك من كسوة الملك الناصر في مصر، وعليه الوقار والسكينة وهو يتهادى بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من المؤذنين وبين يديه أحد القومة في يده الفرقعة وهي عود في طرفه جلد رقيق مفتول ينفضه في الهواء فيسمع له صوت علا يسمعه من بداخل الحرم وخارجه، فيكون إعلاماً بخروج الخطيب، ولا يزال كذلك إلى أن يقرب من المنبر فيقبل الحجر الأسود ويدعو عنده ثم يقصد المنبر والمؤذن الزمزمي وهو رئيس المؤذنين بين يديه لابساً السواد والسيف على عاتقه ممسكاً له بيده، وتركز الرايتان جانبي الممر، فإذا صعد أول درجة من المنبر قلّده المؤذن السيف فيضرب بنصل السيف ضربة في الدرج يُسمع بها الحاضرين. ثم يضرب في الدرج الثاني ضربة ثم في الثالث أخرى فإذا استوى في أعلى درجة ضرب الضربة الرابعة ووقف داعياً بدعاء خفي مستقبل الكعبة ثم يقبل على الناس فيسلم على يمينه وشماله ويرد الناس عليه السالم ثم يقعد ويؤذن المؤذنون في أعلى قبة زمزم في حين واحد. فإذا فرغ الأذان خطب الخطيب خطبة يكثر فيها من الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم ) وعلى آله والخلفاء الأربعة وسائر الصحابة وسبطيه وأمهما وخديجة جدتهما ثم يدعو للملك الناصر يوسف ابن علي ابن رسول ثم للسيدين الشريفين الحسنيين أميري مكة سيف الدين عطيفة وهو أصغر الأخوين ويقدم اسمه لعدله وأسد الدين رميثة ابن أبي نمّي أبي سعيد بن علي بن قتادة وقد دعا لسلطان العراق مرة ثم قطع ذلك. فلما فرغ من خطبته وانصرف والرايتان على يمينه وعن شماله والفرقعة أمامه إشعاراً بانقضاء الصلاة ثم يعاد المنبر إلى مكانه القديم…
ومن عادتهم في ذلك أن يأتي أمير مكة في أول يوم من الشهر وقواده يحفون به وهو لابس البياض معتم متقلد سيفاً وعليه السكينة والوقار فيصلي عند المقام الكبير ركعتين ثم يقبل الحجر ويشرع في الطواف ورئيس المؤذنين على أعلى قبة زمزم. فعندما يكمل الأمير شوطاً واحداً ويقصد الحجر لتقبيله يندفع رئيس المؤذنين بالدعاء له والتهنئة بدخول الشهر رافعاً بذلك صوته ثم يذكر شعراً في مدحه ومدح سلفه الكريم، ويفعل هكذا في السبعة أشواط فإذا فرغ منها ركع عند الملتزم ركعتين ثم ركع خلف المقام ركعتين أيضاً ثم انصرف. ومثل هذا يفعل سواء أراد سفراً أو قدم من سفر أيضاً.
وإذا حل شهر رجب أمر أمير مكة بضرب الطبول والبوقات إشعاراً بدخول الشهر ثم يخرج في أول يوم منه راكباً ومعه أهل مكة فرساناً ورجالاً على ترتيب عجيب وكلهم بالأسلحة يلعبون بين يديه والفرسان يجولون ويجرون والرجال يتواثبون ويرمون بحرابهم إلى الهواء ويلقفونها والأميران رميثة وعطيفة ومعهما أولادهما وقوادهما مثل محمد ابن إبراهيم وعلي وأحمد ابني صبيح وغيرهم من كبار أبناء الحسن ووجوه القواد وبين أيديهم الرايات والطبول والدبادب ويسيرون حتى ينتهوا إلى الميقات ثم يعودون بالرجوع على معهود ترتيبهم إلى المسجد الحرام فيطوف الأمير بالبيت والمؤذن الزمزمي بأعلى قبة زمزم يدعو له عند كل شوط. وهذا اليوم عندهم عيد من الأعياد يلبسون فيه أحسن الثياب ويتنافسون في ذلك. وأهل مكة يحتفلون لعمرة رجب الاحتفال الذي لا يعهد مثله وخصوصاً أول يوم منه ويوم خمسة عشر والسابع والعشرين.
وأهل البلاد الموالية لمكة مثل بُجيلة وزهران وغامد يبادرون لحضور عمرة رجب ويجلبون إلى مكة الحبوب والسمن والعسل والزبيب والزيت واللوز، فترخص الأسعار بمكة ويرغد عيش أهلها وتعمم المرافق، ولولا أهل هذه البلاد (القبائل) لكان أهل مكة في شظف من العيش". –انتهى الاقتباس-.
وهكذا ينطبق وصف ابن بطوطة على الوصف الذي أورده ابن جبير. وفي رحلته الثانية إلى مكة كتب ابن بطوطة أواخر عام 1328 وأوائل عام 1329 عن حدوث اضطراب كبير في مكة بين الأمير عطيفة وبين قائد حرس السلطان المصري المدعو (أيدامور) وفيما يلي تلخيص الحادث: "إن تاجراً غنيا تعرض للسرقة فشكا أمره للأمير أيدامور قائد حرس السلطان المصري الذي كان في مكة للحج. فاستدعى أيدامور مبارك ابن الأمير عطيفة وطلب منه التخلص من اللصوص فأجابه مبارك: "أنا لا أعرف اللصوص فكيف أتخلص منهم؟ وعلى أي حال إن اليمنيين تحت حمايتنا وليس لكم أي سلطة عليهم أما إذا سرق شيء من المصريين أو السوريين فأخبرني بذلك حتى أتدبر الأمر" فغضب أيدامور ورد عليه بعنف بل إنه ضربه وأوقعه أرضاً ونشب القتال فوراً، ومن ضمن الذين قتلهم الأتراك (والمقصود مماليك مصر) امرأة يقال: إنها كانت تحرض وتشجع المكيين على القتال. وتدخل القضاة والمؤذنون والخطباء وغيرهم وحملوا المصاحف بين المقاتلين حتى توقف القتال تدريجياً. وعندما سمع الملك الناصر في مصر بما حدث غضب كثيراً وأرسل بعض قواته إلى مكة فهرب عطيفة وابنه مبارك بينما ذهب رميثة وأبناؤه إلى وادي نخلة. ولدى وصول القوات المصرية أرسل رميثة مبعوثاً يطلب الأمان فمنح الأمان وكرمته القوات المصرية التي عادت أدراجها بعد ذلك إلى مصر لأن الملك الناصر كان رجلاً حليماً".
الجدير بالذكر أن ابن بطوطة يتذمر من شدة الحرارة في مكة لدرجة أن حرارة الحجارة في ساحة الحرم أحرقت قدميه
وفي العام الثاني أحضر الحجيج العراقي معه فيلاً من بغداد أرسله الملك التتري أبو سعيد خوربندر. وكان الحجيج العراقي يصطحب معه الفيل أينما ذهب بل إن الفيل طاف بالكعبة وركع أمامها كما زاد المدينة ولم يعرف أحد غاية الملك التتاري من إرسال الفيل إلى الحج، وبلغت نفقات الفيل منذ انطلاقه من بغداد حتى موته على أبواب المدينة (30) ألف دينار(9).
كان النفوذ المصري يتزايد في الحجاز آنذاك، وثمة منازعات بين الشقيقين اللذين يحكمان مكة وهو ما اضطر السلطات المصرية لاعتقال أحدهما ثم الإفراج عنه من حين لآخر ودون انقطاع حتى استدعاهما الملك الناصر إلى القاهرة واعتقل عطيفة حال وصوله وظل في السجن حتى توفي عام 1343 بينما عاد رميثة ليحكم مكة بمساعدة ابنه أحمد لبعض الوقت. وبعد أن تعب الحاكم المصري في مكة من مشاجرات الأشراف ومحاولات زيادة النفوذ اليمني هناك لمجابهة نفوذه والحدّ منه، فكر بإنهاء حكم الأشراف كلياً، لكن العلماء في مصر أقنعوه بالعدول عن هذه الخطة لأن من شأن نزع الإمارة عن الأشراف أحفاد النبي (? ) أن يتسبب في اضطرابات في أوساط المسلمين حتى في مصر نفسها.
في ذلك الوقت قام رميثة بإرسال ابنه أحمد في مهمة عسكرية عبر نجد فاحتل الحلة في العراق حيث كان حكم الخان المغولي قد بدأ في الانحلال والضعف، لكن أحمد قتل بعد ذلك، وكان والده قد حذره لدى مغادرته مكة من الغيلان في العراق، وعندما سمع بنبأ مصرعه قال: إنه كان يعرف أنه سيتعرض للأذى في العراق(10) وكان من الطبيعي أن يخشى العراقيون انتقام رميثة، ونتيجة للفوضى فيما بين النهرين واختلال حبل الأمن في الصحراء العراقية بعد انهيار الحكم المغولي، فقد توقفت قوافل الحجيج العراقي عن الذهاب إلى مكة طيلة (11) سنة أي إلى حين حكم عجلان ابن رميثة الذي تنازل له رميثة عن الحكم عام 1344 قبل سنتين من وفاته.
وتسمى عجلان بلقب (مجد الدين) كما أطلق على نفسه لقب (السريع) وكان في السابعة والثلاثين عندما خلف والده وعاش حتى بلغ السبعين من العمر وحكم على فترات متقطعة زهاء (25) سنة. وخلال حكمه ضعف النفوذ العراقي بل اختفى تماماً كما انتهى النفوذ اليمني وهكذا استأثر المماليك في مصر بالنفوذ والسيطرة في الحجاز.
وكان رميثة قبل ذلك قد وجد أن من الأنسب تعيين ابنه ثقبة حاكماً مساعداً مع عجلان. وفي عام 1346 قرر سلطان مصر فرض شقيقهما الثالث واسمه (سند) للاشتراك معهما في الحكم.
وفي عام 1350 اشترك المصريون وأتباع أمير (أو حاكم) مكة (ويعني بذلك الأشقاء الثلاثة وأتباعهم) في هجوم مشترك ضد ملك اليمن (مجاهد بن علي) عندما كان في منى في أثناء مناسك الحج. وتم اقتحام معسكره ونهبه واعتقال مجاهد بن علي وإرساله مخفوراً إلى مصر. لكن السلطان المصري أعاده إلى اليمن مع حاشية مناسبة وعندما وصل إلى ينبع في طريقه إلى اليمن تم اعتقاله مرة أخرى بتهمة التطاول على سلطان مصر ومزاعمه فيما يتعلق بسوء المعاملة التي لقيها في مصر، وهكذا لم يكمل رحلته بل أرسل إلى الكرك لسجنه فيها وبقي في الكرك فترة ثم أفرج عنه فزار بيت المقدس وتوجه إلى اليمن عن طريق ميناء الأديبة (الذي يواجه ميناء جدة على الساحل المصري).
في عام 1358 أرسل حاكم مصر مع الحجيج قوة بقيادة الأمير جاركتمر المارديني الذي أحضر معه محمد بن عطيفة لتسلم منصب الإمارة (أو الشريف الجديد) وحال وصول المملوك المارديني إلى مكة أرسل يستدعي سند الذي كان مع أشقائه في اليمن. وكان المارديني يريد تعيين سند حاكماً مساعداً مع محمد. وأحضر سند معه شقيقه مغيمس. وتلقّى عجلان تعليمات بضرورة زيارة مصر حيث تم اعتقاله فيها لدى وصوله. وبعد بضعة أشهر ثار المكيون وهاجموا سند والجنود المصريين، وظل محمد حيادياً، لكن عندما غادرت القوة المصرية مكة مع الحجيج المصري وجد أن من الأفضل له اللحاق بها والعودة إلى مصر.
واستغل عجلان الفرصة وفرض حكمه على مكة بينما هرب سند إلى اليمن، أما مغيمس فقد قتل في اشتباك بين الأشراف كان للمصريين دور فيه عام 1359.
في عام 1360 انضم أحمد إلى والده عجلان في الحكم ومنح ربع الموارد وحكم (25) سنة. وفي الخمس عشرة سنة الأخيرة من حكم عجلان اضطلع هذا الشرف ببناء العديد من القلاع وأحواض المياه والمبرات والتكايا (التي تقدم الطعام للفقراء)، والمدارس، وأوقف بشكل نهائي الضرائب التي كان عبيد مكة يحصلونها من الحجاج وعوض على العبيد من خزانته الخاصة. وكان يمتلك عدداً كبيراً من الزنوج والخيول والأسلحة والدروع. ومنذ عام 1359 وحتى 1369 سمح بالدعاء للسلطان المغولي في بغداد في خطبة الجمعة وكان السلطان المغولي يرسل إليه معونة سنوية حتى ذلك العام ومن ناحية أخرى قام –ربما بتحريض من مصر- بالتنكيل باليمنيين أتباع الطائفة الزيدية المقيمين في مكة، وتمّ جلد أحد المؤذنين لأنه كان يمتدحهم ويتقرب إليهم. حتى توفي تحت الجلد. وأعتقل زعماؤهم وربطوا إلى أعمدة خشبية وجلدوا بسياط من الجلد. وكان الأشراف أنفسهم يدعمون على نحو سري المذهب الشافعي الذي كان سائداً في الأقطار الإسلامية وتوفي عجلان في الجديدة في وادي المر عام 1375 وتم دفنه في المعلى بعد إجراء الشعائر الجنائزية التقليدية الخاصة بالأشراف.
وخلفه ابنه أحمد (شهاب الدين) وسار على خطاه فحقق الطمأنينة والاستقرار في مكة. وسرعان ما ازداد قوة بحيث بدأت مصر تخشى جانبه. ووجهت إليه عدة دعوات لزيارة القاهرة لكنه كان يعتذر عن تلبيتها بكثرة مشاغله، وفي السنوات الأخيرة من حكمه اعتاد على ارتداء درع من الزرد ربما خشية وتحسباً من أقاربه أو من المصريين، وأمر بضرورة أن تقتصر ملابس الحجاج على ملابس الإحرام أي قطع الكتان، ولعل خشيته من الاغتيال هي التي منعته من الحج بعد ذلك. وقد كان ثمة ما يبرر مخاوفه لأنه مات مسموماً عام 1386(11) كما أن ابنه محمداً تعرض للاغتيال طعناً بخنجر بعد مائة سوم على وفاة والده ولم تعرف شخصية القاتل المجرم الذي هرب واختفى بين حشود الحجاج في منى(12). وكان محمد في العشرين من عمره وثمة ما يدعو للاعتقاد بأن أمير الحج المصري هو الذي خطط اغتياله بتحريض من عنان ابن مغيمس (أي ابن عمه لأن عجلان شقيق مغيمس) ولعل ما يؤكد هذا الاعتقاد أن عنان هو الذي خلفه في الحكم وكان عنان قد حضر إلى مكة مع الحجيج المصري ويبدو أن برقوق حاكم مصر أول حاكم من سلالة المماليك البرجية هو الذي عينه حاكماً على مكة في أثناء وجوده في القاهرة ولم يبق سوى التخلص من محمد بن أحمد بن عجلان فتم اغتياله على النحو المذكور.
ويبدو أن برقوق اشترط عليه قبل تعيينه أن يقبل شريكين أو مساعدين في الحكم وهما أحمد ابن ثقبة وعقيل ابن مبارك ابن رميثة. وفي غضون ذلك كان كبيش يجمع الأتباع والأنصار من بين القبائل وعندما ظن أنه أصبح على درجة من القوة هاجم عنان لكنه قتل في إحدى المعارك وفي العام الثاني 1387 وافق برقوق على تنحية عنان وتعيين علي ابن عجلان مكانه رغم صغر سنه. وعاد عنان إلى مصر حيث توفي عام 1401.
حكم علي سبع سنوات إلى أن قتل على يد أحد ضباطه فخلفه لمدة سنة واحدة محمد ابن عجلان بصفة نائب (أو وكيل) حسن ابن عجلان الذي كان في مصر عند مصرع علي. وفي ذلك العام بدأ تيمورلنك بحملته العسكرية ضد العرب ودخل إلى بغداد فاتحاً عام 1394 وبالتالي توقف مجيء الحجيج العراقي إلى مكة عدة سنوات.
وحال وصول حسن ابن عجلان من مصر إلى مكة، عين ابنه بركات حاكماً مساعداً وبعد ذلك بسنتين استمزج رأي السلطان المصري بتعيين ابنه الثاني أحمد كحاكم مساعد ووافق السلطان على ذلك وأصدر أمره في نفس الوقت بتسمية الحسن (نائب السلطان) على الحجاز بأسره وأن يكون ولداه حاكمين على مكة… وقد بنى حسن المبرّات والتكايا وامتدحه الناس لعدله وكرمه وحلمه.
في عام 1415 ولسبب لم يوضحه المؤرخون وربما يكمن السبب في تآمر أقاربه الحسينيين (حكام المدينة) في البلاط المصري، تم عزل الحسن وولديه وعين مكانهم رميثة ابن محمد لمدة سنة ثم عزل وأعيد الحسن إلى منصبه بعد أن أرسل ابنه بركات إلى سلطان مصر للمطالبة بإعادته إلى منصبه. وفي عام 1423 حدث نفس الشيء وانقطعت إمارته سنة أخرى عندما تم تعيين علي ابن عنان ابن مغيمس، ثم أعيد الحسن إلى منصبه، وتوفي بعد ذلك في مصر بينما كان يزور السلطان (المملوك) أشرف سيف الدين برسباي عام 1425 وهو في الرابعة والخمسين من عمره، وخلفه ابنه بركات. وكان حسن قد شاهد والده يحكم مكة باستقلال كامل في أيام سلالة المماليك البحريين، لكن في أيامه ازداد النفوذ المصري على نحو غير مسبوق في الحجاز مع بواكير سلالة المماليك البرجيين واضطر للقبول بالنفوذ المصري، وحكم الحسن (16) عاماً جمع خلالها ثروة كبيرة وامتدحه الناس لتقواه وورعه وقدرته الأدبية وأخلاقه الرفيعة.
(ح) تعني حكم مكة
(1) انظر س. سنوك هورغرونجي (مكة) الجزء الأول ص80.
(2) وهكذا أصبحت كسوة الكعبة تأتي من مصر التي خصصت دخل قرية بأكملها لإنجاز الكسوة وذلك بموجب قرار أصدره السلطان الناصر محمد ابن قلاوون. وعلى أي حال فقد أتت الكسوة بعد ذلك من حلب مرتين على الأقل عام 1385 – 1394 وثمة تقارير بأن الكسوة أتت من أماكن أخرى مثل دمشق عام 1403 وبغداد عام 1404 (كتاب تنضيد العقود السنيّة بتمهيد الدولة الحسنية) و (خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام).
(3) الحسيني: (كتاب تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية).
(4) ابن زيني دحلان (الجداول المرضية).
(5) يقول ابن خلدون إنه قتل خلال معركة في وادي المر (وادي فاطمة).
(6) المادة مقتبسة مباشرة من الكتاب المذكور أي أننا لم نترجم النص الإنكليزي – المترجم-
(7) واضح أنه يعني خبز.
(8 ) تصل درجة الحرارة في مكة المكرمة أيام الصيف إلى 50 درجة مئوية أحياناً.
(9) الفاسي: (شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام).
(10) الفاسي: (تنضيد العقود) ويقول: إنه اعتمد في ذلك على (عمدة الطالب).
(11) يقول ابن خلدون إنه توفي على فراشه.
(12) يقول ابن خلدون: إن القاتل طعنه من الخلف عندما انحنى لتقبيل المحمل لدى وصوله من مصر وبقي يتلوى من الألم حتى فارق الحياة بينما اختفى القاتل.
|
30 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
ومثل والده اشتهر بالأدب وقرض الشعر وعندما زار مصر عام 1447 دعا السلطان ظاهر سيف الدين جقمق كافة الوجهاء والنبلاء والأدباء في القاهرة لمقابلته وذاعت شهرته لدرجة أن العديد من الطلاب كانوا يترددون عليه للنهل من علومه وثقافته، وخلال حكمه أصلح عين حنين وجامع حنين، كما أنشأ العديد من المبرات والتكايا في مكة نفسها ويقول الحسيني: إنها بنيت بشكل جيد لدرجة أنها كانت قيد الاستعمال في القرن الثامن عشر.
يتضح من ذلك أن بركات كان موضع احترام ليس لنزاهته وعدله وقدراته الأدبية حسب، بل لورعه وأعماله الخيرية أيضاً. وبركات هو أول شريف يتلقى خلعة من سلطان مصر، ثم جرت العادة بعد ذلك على إرسال سلطان مصر خلعة للشريف الجديد، وكانت الخلعة بمثابة براءة التعيين. والخلعة أو الكسوة بحد ذاتها ليست أكثر من مجرد رغبة في إدخال السرور إلى قلب متلقيها كنوع من التكريم أو التشريف، وكان السلاطين يرسلون كسوة للكعبة نفسها ويتفننون في صنعها وزخرفتها، ولم يكن قبول الشريف للكسوة الخاصة به يعني قبوله بالتبعية للسلطان الذي أرسلها، فقد استمرت العادة بعد عهد بركات أن يرسل السلاطين كسوة لكل شريف سواء كان السلطان من العراق أو مصر أو القسطنطينية، وإذا لم يتلق الشريف الجيد كسوة أو أكثر فهذا يعني أن ثمة شكاً في شرعية حكمه.
ويصف المؤرخون العرب موقف بركات من حكام مصر بالاستقامة والذكاء. وفي عهده أرسل سلطان مصر خمسين فارساً ومجموعة من المهندسين والبنائين لإصلاح وترميم الحرم المكي. وكان بركات يرافق المهندسين في العمل والإشراف على الصيانة والترميم، ورغم أن قادة الفرسان ورؤساء المهندسين الذين أرسلتهم القاهرة كانوا ينفذون أوامر الشريف بركات لكنهم في الواقع كانوا مستقلين عنه ويرسلون تقاريرهم بشكل مستقل إلى القاهرة عن سير العمل والوضع بشكل عام في مكة.
وكان قائدهم يسمى أحياناً (أمير الأتراك في مكة) أو حتى (مفتش الديار المقدسة) وبعد أن ورث العثمانيون ذلك النظام أصبح قائد القوة النظامية يسمى (سنجق مكة) وله رتبة رفيعة في بلاط السلطان العثماني.
في عام 1455 استخدم بركات الممثل السياسي المصري في جدة كقناة اتصال لنقل رغبته في تعيين خليفة له، وهكذا اكتسب المفوضون أو الممثلون المصريون وعلى نحو تدريجي مركزاً يشبه إلى حد بعيد مركز الممثلين أو المفوضين الإنكليز لدى أمراء وملوك الهند خلال القرن التاسع عشر وحتى بواكير القرن العشرين. وفي عهد بركات أصبح وجود الولاة أو المفوضين أو الوكلاء مقبولاً وعلى نحو منتظم رغم أن بعض الشرفاء كانوا يظهرون امتعاضهم من هذا التقليد. وكان نظام الموارد (أو الواردات) خلال حكم والده الحسن قد أصبح أقل استقراراً، وورث بركات عدة أنواع من الضرائب والرسوم واستمر في تحصيلها كما استمرت تلك الضرائب والرسوم عدة قرون أخرى.
وعلى سبيل المثال بدأت العادة منذ عهده على أن يكون للشريف الحاكم ربع قيمة السفن المحطمة وكذلك ربع كافة الهدايا المرسلة أو المحضرة من الخارج (إلى شعب مكة) وعشر كافة البضائع المستوردة بما في ذلك عشر شحنات السفن الهندية التي تفرغ شحناتها في جدة.
ومنذ أواسط القرن الخامس عشر تم تخصيص نسبة من واردات (جمارك) جدة إلى الممثل المصري وفي وقت لاحق إلى الباشا العثماني في الحجاز، وكانت النسبة تتراوح بين ربع الجمارك ونصفها. وإذا توفي غريب في مكة وليس له وارث فيها تصبح ثروته من حق الشريف. كما كان الشريف يحصل على الزكاة التي يتم تحصيلها من البدو إذا لم يكونوا في منتهى الفقر، ويخصص نصف هذه الموارد العامة لتوزيعها على زعماء وكبار أسر الأشراف.
ومع الوقت فرضت عدة ضرائب متنوعة جديدة على الحجاج سواء لدى وصولهم إلى ميناء جدة أو وهم في الطريق إلى مكة. وبالإضافة إلى ذلك إذا فكر حاج ثري بإدخال تحسينات أو زخرفة على الكعبة فيتعين عليه الحصول على الموافقة من الخليفة أولاً ومن الشريف ثانياً، وجرت العادة أن يدفع الحاج الثري مبلغاً من المال إلى الشريف، ولم تكن هذه المبالغ زهيدة بل كانت تساوي أحياناً كلفة التجميل أو التحسين والزخرفة.
ولان سكرتير أو وزير الشريف هو الذي يشرف على هذا ويضطلع بالأمور المالية، اعتاد الأشراف على تعيين أجانب لهذا المنصب. كما أن ضباط الجمارك كانوا إما من الغرباء أو من أسرة الشريف. أما حكام القرى والبلدات الصغيرة والمقاطعات فكانوا غالباً من شيوخ البدو أو من الأشراف، بينما كان رجال السيف أو الحراس من العبيد المعتوقين الذين اشتروا لأنفسهم أيضاً عبيداً ودربوهم على الفنون القتالية. وفي حوزة الشريف آنذاك سرية أو أكثر من الزنوج المسلمين فضلاً عن عدد من الجنود المرتزقة المحترفين (معظمهم من جنوب الجزيرة وبعضهم ليسوا عرباً) وكان باستطاعته استدعاء القبائل العربية للقتال إلى جانبه خاصة تلك القبائل التي تتلقى معونات مالية منه على نحو منتظم. ويذكر المؤرخون العرب أنه عندما كان يحضر مبشرٌ بأخبار سارة فإنه يدخل إلى بيوت الأشراف بيتاً وراء آخر لإبلاغهم بالبشارة وفي كل بيت يتلقى خلعة بينما يبادر كافة الأشراف إلى رفع الأعلام على منازلهم. ومع ذلك كان مستوى معيشة الأشراف متوسطاً بشكل عام. ولم يكن ثمة فرق بين الشريف الحاكم ومواطنيه سوى عمامته الكبيرة اللهم باستثناء المراسم أو المناسبات الخاصة عندما كان يرتدي عباءة واسعة الأكمام مطرزة بخيوط الذهب، ورغم منصبه كحاكم فقد كان الناس يخاطبونه مباشرة وببساطة سواء باسمه أو (يا أبا فلان) وخاصة من قبل البدو وهي عادة ما زالت متبعة حتى يومنا لأن البدو غالباً لا يعترفون بالألقاب.
عندما توفي الشريف بركات في وادي العبر ودفن في المعلى كان ابنه محمد بعيداً في اليمن يتفقد ممتلكات والده هناك، لكنه عاد على الفور لاستلام الحكم بتوصية ودعم (جاني بك) ممثل السلطان المصري في الحجاز. وفي عام 1447 قبل وفاة بركات ببضع سنوات قام كبير وزراء السلطان العثماني (مراد الثاني) بالحج في موكب باذخ أعطى صورة عن عظمة السلطان العثماني وفي فترة مرض الشريف بركات وردت الأخبار المثيرة عن سقوط القسطنطينية(1) بيد الأتراك. وكانت القسطنطينية آنذاك أعظم وأفخم عاصمة مسيحية سبق أن صمدت أمام هجمات المسلمين منذ القرن الثامن كما صمدت أمام أكثر من حملة سيرها العباسيون لاحتلالها وأخيراً سقطت على أيدي السلطان محمد العثماني الذي أصبح اسمه في التاريخ بعد ذلك (محمد الفاتح) نسبة إلى افتتاح القسطنطينية.
واقتفى محمد خطى والده في صيانة وترميم وإصلاح المباني داخل الحرم وخارجه وفي داخل مكة وأعاد بناء مسجد ميمونة وهو المكان الذي دفنت فيه (ميمونة) زوجة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وبقي المسجد والقبر إلى أن دمره الوهابيون في القرن التاسع عشر.
وفي عام 1467 أمر السلطان المملوكي في مصر قايتباي بوقف الضرائب عن الحجاج وعوّض مكة عن ذلك بمعونة مالية سنوية كما أصدر تعليماته بنقش هذا القرار على أحد الأعمدة داخل الحرم. وأجريت الإصلاحات على الأماكن المخصصة للحجيج المصري ومسجد ومئذنة الحجيج المصري فضلاً عن بناء منزل جديد ومناسب لأمير الحجيج المصري، وطلي مسجد المزدلفة بكلس أبيض ونظف بئر جبل عرفات ونظفت أقنية المياه التي تنحدر من جبل الرحمة إلى وادي النعمان وأجريت المياه فيها كما كان الشأن قبل (160) سنة. وفي كل عام كانت تصدر أوامر جديدة في القاهرة سواء للترميم أو الصيانة أو بناء منشآت جديدة. وفي عام 1476 أمر السلطان قايتباي بتغطية سقف الكعبة من الداخل بالرخام وفي العام التالي أمر ببناء أربع مدارس، مدرسة لكل مذهب من مذاهب السنة الأربعة بالإضافة إلى مبرة جديدة.
في غضون ذلك أي في عام 1472 منع أمير الحج المصري الحجيج العراقي من الحج، واعتقل المصريون أمير الحج العراقي وحالوا بين العراقيين وبين دخول مكة وفي عام 1476 تكرر الحادث ومنع أمير الحجاج المصري دخول المحمل العراقي إلى مكة رغم أن العراقيين عرضوا دفع مبلغ كبير كصدقة للمكيين.. وعاد المحمل العراقي إلى بغداد.
وفي العام التالي 1477 ولأسباب غير واضحة هاجم الشريف بقواته مدينة جيزان على ساحل البحر الأحمر عند الحدود اليمنية وأحرقها ودمر قلعتها، وكانت جيزان طيلة تلك الفترة موضع نزاع لكنها في معظم الأحيان خاضعة للأشراف. وكانت وارداتها من مناجم الملح في الزهراء محترمة. وفي أوائل القرن التاسع عشر كانت واردات الشريف من جيزان مبلغاً كبيراً سواء من الجمارك والضرائب أو مناجم الملح الصخري(2) وتعود جيزان الآن إلى الحجاز في العربية السعودية مع أن سكانها يمنيون.
في عام 1479 حضر السلطان قايتباي بنفسه للحج، والسلطان قايتباي ينحدر من أصل شركسي وكان مملوكاً أعتقه السلطان جقمق الذي اشتراه وهو صبي بخمسين ديناراً. وبعد أن تدرب قايتباي على الفنون العسكرية والفروسية اختاره جقمق لمرافقته وذلك لفروسيته وذكائه، ومن موقعه هذا استطاع قايتباي جمع الأنصار والأتباع حتى أصبح سلطاناً. وعندما قرر الحج اصطحب معه عدداً هائلاً من العبيد والمماليك وكانوا حاشية القصر. ويقال: إن أتباعه ومماليكه كانوا يتصرفون (بوقاحة وتعالي وغطرسة)(3).
وقال قايتباي: إنه حلم بأنه يتعين عليه غسل الكعبة من داخلها بنفسه، وقام بغسل الكعبة فعلاً وسط مراسم واحتفال شارك فيه كافة العلماء وحافظ مفاتيح الكعبة الشيخ عمر ابن رجب الشيبي. وعند مغادرته الحجاز أرسل قايتباي إلى الشريف عُشر رسوم الحجيج اليماني أي أنه منحه حصته من هذه الرسوم. كانت العلاقات بينهما ودية لدرجة أن الشريف محمد أطلق على أحد أبنائه اسم (قايتباي). واستمر قايتباي في إرسال صدقاته إلى المدن المقدسة في الحجاز وفي العام التالي عندما سمع بأن صاعقة خربت مسجد الرسول في المدينة وأحرقت جزءاً كبيراً منه بكى كثيراً وأمر بإعادة بنائه على نفقته الخاصة.
في ذلك الوقت أي في أواخر عهد الشريف محمد وردت الأخبار بازدياد قوة الشاه إسماعيل الصفوي الفارسي الذي بدأ الصراع مع الإمبراطورية العثمانية وبذلك ازدادت مشاكل الشريف السياسية.
توفي الشريف محمد عام 1459 وأنجب (16) ولداً وخلفه منهم بركات الذي تلقى علومه أيام شبابه في مصر وبذلك اشتهر بالعلوم والورع مثل والده وجده حتى قبل أن يخالف والده في منصب الإمارة.
وإذا كان عهدا كل من بركات بن الحسن وابنه محمد قد تميزا بتصاعد النفوذ المصري غير أنهما عززا الدور الروحي للأشراف ووطدا الأمن والسلام في مكة. ونتيجة للجهود التي بذلاها وسار على نهجها بركات ابن محمد (أو بركات الثاني) أصبح للأشراف صفة قدسية ومكانة خاصة كأمراء مكة لا ينازعهم في ذلك أحد وإن كان بعض الأشراف يتعرضون من حين لآخر لمعاملة سيئة من الملوك والأباطرة المجاورين لأسباب سياسية. لكن العائلة استمرت في الحكم بموافقة وتبجل واحترام من العالم الإسلامي.
(1) اقتحم السلطان محمد الفاتح أسوار القسطنطينية في 29 من أيار 1453 ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسمها استانبول واسلامبول والأستانة.
(2) س. ديدييه (الشريف الكبير في مكة) ص106.
(3) السير ويليام موير (المماليك أو سلالة العبيد في مصر).
|
30 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
الفصل السابع :
بركات الثاني (1495 – 1524)
وبعد وفاة والده محمد بن بركات وافق سلطان مصر (محمد بن قايتباي) على تعيينه خليفة والده، لكنه سرعان ما وجد نفسه في موقف صعب بسبب معارضة شقيقيه هزاع وأحمد الجزان، ورغم اضطرابات صغيرة حدثت في مستهل حكمه غير أن ولايته انتهت بسلام ويبدو أنه تأثر كثيراً بزوجته الأخيرة وكان سعيداً معها.
لقد حاول في البداية التفاهم مع شقيقيه لكنهما استطاعا الإطاحة به ونهب خيوله حتى يمنعوه من القيام بهجوم معاكس وهكذا قرر بركات الثاني المعروف بدماثته الانتظار في جدة إلى حين موسم الحج التالي، حيث غادر إلى مكة برفقة الحجيج المصري، وتم اعتقال هزاع ونفي إلى ينبع ورغم تعهده بعدم محاولة مضايقة شقيقه لكنه جمع جيشاً وهاجم مكة وهزم بركات في المعشر(1) ففر بركات يحاول جمع الأنصار إلى أن سمع بموت هزاع حيث حاول (أحمد الجزان) شقيق هزاع تنصيب نفسه أميراً على مكة، لكن بركات وصل في الوقت المناسب وتلقى الخلعة ورسالة ودية من سلطان مصر.
ورافق بركات الحجيج المصري إلى ينبع لأن أحمد الجزان نهب الحجيج الشامي ولذلك تم تخطيط حملة تأديبية ضده… لكن قوات بركات وقوات أمير الحج المصري تعرضت للهزيمة قبل الاستعداد للمعركة واستطاع أحمد الجزان أسر إبراهيم ابن بركات. كان من شأن تلك الهزيمة أن تشجع أحمد الجزان وجمع قوة إضافية لمهاجمة مكة نفسها واحتلالها وبسبب مرض بركات وضعف قواته مقارنة بقوات شقيقه تراجع وانسحب إلى اليمن حيث جمع قوة معتبرة وحاول استرداد مكة، واستطاع تضليل شقيقه بحيث يكون القتال خارج المدينة ثم التقت قواته ودخلت مكة بعد خروج قوات الجزان منها، فرحب به المكيون أشد ترحيب، ولدى عودة الجزان وجد أن المكيين قد التفوا على شقيقه وهو الأمير الشرعي وبأنهم سيقاومون قواته فاضطر للانسحاب ونصب خيامه في بير الشماء، ومن هناك أرسل المبعوثين إلى ينبع والقبائل الأخرى طلباً للتعزيزات ثم هاجم مكة للمرة السادسة ورغم تحصن قوات بركات فقد استطاعت قوات الجزان اختراق تحصيناتها فهرب بركات مرة أخرى إلى اليمن إلى حين وصول قوات مصرية إلى جدة، وما إن سمع بذلك الجزان حتى أخلى مكة على الفور.
بدا الأمر بعد ذلك وكأن حكم بركات قد استقر، لكنه عاد وسارع إلى مقابلة قائد القوات المصرية (المكار الأشرف طيطب) فاعتقله هذا وأرسله مقيداً بالسلاسل إلى مصر عن طريق ينبع، وذلك أن طيطب توصل إلى اتفاق مع الجزان مقابل مبلغ كبير من النقد يقضي بدعم طيطب للجزان كأمير في مكة، لكن عندما وصل بركات المعروف بدماثته، مقيداً بالسلاسل إلى القاهرة غضب السلطان الغوري والشعب المصري أشد غضب وتم الإفراج عن بركات فوراً وأنزل في أحد القصور وتلقى الخلع والهدايا والمال من السلطان وكان يجد ترحيباً حاراً أينما ذهب سواء في بيوت النبلاء والأمراء أو في بيوت الأثرياء والعلماء بعكس القائد الجشع طيطب الذي كان موضع غضب القصر والشعب بسبب فعلته الشنيعة، وأقام بركات في القاهرة حتى عام 1503 حيث سمع باغتيال الجزان فعاد إلى الحجاز، وفي الطريق تقابل مع مبعوث أوفده شقيقه حميضة إلى السلطان مع كمية من الهدايا فصادر الهدايا وواصل طريقه بعد أن اعتقل مبعوث شقيقه.
كان (الجنود المصريون)(2) هم الذين اغتالوا الجزان ونصبوا مكانه حميضة غير المعروف لدى الحكومة المصرية، وعندما سمع حميضة باقتراب شقيقه بركات أخذ يعد العدة لمغادرة مكة.
فكر بركات بزيارة المدينة لحشد قبائل زبيد في طريقه إلى مكة، فاتجه إلى ينبع إلى الشرق وفي تلك الفترة تزوج فتاة من الفرع الحسيني في المدينة وهي التي أنجبت له ابنه (أبا نُمي) في الثالث من أيار (مايو) 1505 فتفاءل به بركات كثيراً، وكان يربت على رأس ابنه قائلاً له: "إنك نجم سعدي… كان حظي تعيساً إلى أن ولدت، وكان في الثالثة والخمسين من عمره عندما أنجب (أبا نُمي) وتغيرت طباعه نتيجة تغير حظه إلى الأفضل، وعلى أي حال، فعندما وصل إلى مكة حكم الحجاز بأسره وعين شقيقه قايتباي ولياً على مكة وعين ابنه (أين ابن بركات) علياً مساعداً لقايتباي.
وتشاء الصدف أن يقوم آنذاك الرحالة لودفيكو فارثيما من بولونيا في إيطاليا بزيارة مكة
متخفياً(3) فكتب ما يلي:
"وصلنا إلى مكة وكان ثمة حرب بين الأشقاء… وهناك أربعة أشقاء كل واحد منهم يريد الاستئثار بحكم مكة".
وفي الفصل الذي يصف فيه مباني مكة ولماذا يحج المور(4) أي (المسلمون) كتب يقول: "سنتحدث الآن عن المدينة المقدسة مكة… عن حالتها ومن يحكمها… المدينة جميلة جداً ومزدحمة بالسكان وفيها زهاء ستة آلاف أسرة. والمباني قوية مثل المباني في بلادنا بل إن فيها منازل ضخمة، والمدينة غير محصنة بأسوار لأن الجبال التي تحيط بالمدينة بمثابة الجدران، وفي هذه الجبال المحيطة بها أربعة مداخل. وعلى بعد ربع ميل من المدينة ثمة سفح تل وفيه طريق تمّ شقه بجهد إنساني. فاجتزنا هذا الطريق وهبطنا إلى واد… وحاكم المدينة سلطان وهو أحد الأشقاء الأربعة وهو من سلالة موهامات (أي محمد صلى الله عليه وسلم ) ويخضع للسلطان الأكبر في القاهرة. وهو في حرب شبه دائمة مع أشقائه الثلاثة وفي الثامن عشر من أيار (مايو) دخلنا مدينة مكة من الشمال. وفي جهة الجنوب ثمة جبلان يكادان أن يتلامسا وبينهما طريق يؤدي إلى مكة. وفي الجهة الأخرى من حيث تشرق الشمس ثمة معبر (أو ممر) جبلي آخر كالوادي يوصل إلى جبل يحتفلون فيه بمراسم تضحية إبراهيم لابنه إسحاق… ويبعد هذا الجبل عن المدينة مسافة تتراوح بين ثمانية وعشرة أميال، ويبلغ ارتفاع الجبل رميتين أو ثلاث رميات بالحجر (أي المسافة التي يقطعها الحجر المتوسط إذا رماه الإنسان بأشد قوته) وحجارة الجبل من نوع خاص لكنها ليست رخامية وإن كانت ذات لون معين. وعلى قمة الجبل ثمة مسجد له ثلاثة أبواب وفي سفح الجبل خزانان أنيقان ونظيفان تحفظ فيهما المياه، أحدهما للحجيج القادم من دمشق وتتجمع مياه هذا الخزان من الأمطار التي تأتي من مسافة بعيدة… والآن دعونا نَعُدْ إلى المدينة وسنتحدث في الوقت المناسب عن التضحية التي يمارسونها عند سفح الجبل المذكور. وعندما دخلنا المدينة وجدنا القافلة التي أتت من مصر قبل وصولنا بثمانية أيام لأن هذه القافلة لم تسلك الطريق الذي سلكناه. وبلغ عدد جمال القافلة المصرية (64) ألف جمل وكان ضمن الحجاج فيها مائة مملوك. ولا بد أن تعرفوا وجهة نظري هنا وهي أن الله لعن هذه المدينة(5) لأنها تخلو من الأشجار وحتى الأعشاب وتخلو من كل شيء فضلاً عن أنها تعاني من ندرة المياه. فلو أن كل شخص استهلك ما يشاء من الماء لنفدت المياه فيها… وسأخبركم كيف يعيشون… إن جزءاً كبيراً من إمداداتهم التموينية تأتي من القاهرة أي من البحر الأحمر، حيث ثمة ميناء يدعى زيداً (جدّة) يبعد عن مكة زهاء أربعين ميلاً كما أن كمية أخرى من المواد التموينية تأتي من اليمن السعيد ومن الحبشة ومن الهند ومن بلاد فارس وسورية والحقيقة أني لم أشاهد في حياتي مثل هذا العدد الكبير من الناس في مكان واحد كما هو الشأن في مكة طيلة العشين يوماً التي قضيتها فيها… وبعض هؤلاء الناس يحضرون للتجارة وبعضهم للحج وطلب غفران الخطايا… ومن الطبيعي أنهم لا يطلبون الغفران إلا لأنهم يرتكبون الخطايا(6).
ولنتحدث أولاً عن التجارة والبضائع التي تأتي إلى مكة من عدة مناطق. فمن الهند تأتي كمية كبيرة من المجوهرات والأحجار الكريمة والبهارات. ويأتي من الحبشة ومن مدينة في الهند اسمها (بانغشيلا) كمية كبيرة من القطن والحرير… ولذلك تشهد مكة حركة تجارية واسعة، فالمجوهرات والبهارات من كافة الأنواع والقطن والشمع والعطور متوفرة بكميات هائلة".
يواصل الرحالة الإيطالي حديثه: "والآن دعونا نصف شعائر طلب الغفران (الحج) ففي وسط هذه المدينة هيكل جميل يشبه الكولوسيوم في روما لكنه غير مبني بحجارة كبيرة بل بطوب من الآجر المحروق، والهيكل مستدير الشكل وحوله (90) وربما مائة باب. وعند الدخول إلى الهيكل (الحرم) تهبط (10) أو (12) درجة من الرخام حيث يقف الكثير من باعة المجوهرات، وبعد أن تهبط الدرجات المذكورة تجد أن الذهب يغطي الهيكل وكل شيء حوله، ويقف تحت الأقواس زهاء خمسة آلاف شخص رجالاً ونساءً يبيعون كافة أنواع العطور التي تحفظ الجسم، ذلك أن الكفار (الوثنيين) يأتون إلى هنا من كافة أنحاء العالم. والحقيقة أن من الصعب وصف شذى وعبق العطور التي يشمها الإنسان في هذا الهيكل. فشذى المسك والياسمين وغيرهما من العطور الرائعة تعبق في الأجواء، وفي الثالث والعشرين من أيار (مايو) تبدأ مناسك الغفران (الحج) على النحو التالي: يتم رفع الستائر عن الهيكل الذي يتوسط الساحة والستائر من الحرير الأسود وبوابته من الفضة بارتفاع قامة رجل ويبلغ طول ضلع الهيكل من كل جانب ست خطوات طويلة وعلى جانبي بوابة البرج أو الهيكل (يقصد الكعبة) جرار فخارية ملأى بالبلسم. ويقولن أن هذا البلسم من خزائن السلطان. وفي جانب البرج أو في زاويته حلقة كبيرة. وفي الرابع والعشرين من أيار (مايو) يتوجه الناس عند الفجر إلى الهيكل ويدورون حوله سبع مرات ويلمسون ويقبلون تلك الزاوية حيث الحلقة الكبيرة. وعلى بعد (12) خطوة من البرج أو الهيكل المذكور ثمة برج آخر مثل الكنائس الصغيرة أو منابر الوعظ مقارنة بالبرج الكبير وثمة بئر جميل يبلغ عمقه زهاء سبعين قامة ومياهه مالحة قليلاً. وعلى جوانب البئر ستة أو سبعة رجال مهمتهم سحب الماء في دلاء خاصة وتوزيعه على الناس. وعندما يدور (يطوف) الناس سبع مرات حول البرج الكبير يأتون إلى البئر ويديرون ظهورهم بحيث يستقبلون البرج الكبير ويقولون: "بسم الله الرحمن الرحيم أستغفر الله رب العالمين" وعند ذلك يقوم الرجال الذين يسحبون الماء من البئر بسكب ثلاثة دلاء مليئة بالماء على كل شخص من قمة رأسه إلى أخمص قدميه… وهكذا يستحمون بالماء ويعتقدون أنهم بذلك إنما يغتسلون من خطاياهم ويقولون أن البرج الكبير هو البيت الذي بناه إبراهيم. وبعد استحمامهم على هذا النحو، يتوجهون إلى الوادي نحو الجبل الذي تحدثنا عنه ويظلون هناك يومين وليلة وبعد أن يتجمعوا عند سفح الجبل يقومون بتضحية الخراف.
هناك" فقال الشيطان: "لا تذهب يا صديقي لأن والدك سيضحي بك لله ويقتلك" وأجابه اسحق (ع): "ليكن ما يريده الله إذا كانت هذه مشيئته" وسرعان ما اختفى الشيطان لعاود الظهور على هيئة صديق آخر لإسحاق (ع) وقال له نفس الكلام لكن اسحق (ع) رد عليه بغضب قائلاً: "لتكن مشيئة الله" ثم تناول حجراً ورشقه في وجه الشيطان. ولذلك عندما يصل الناس (الحجاج) إلى هذا المكان يرشقون الحجارة على السور المذكور ثم يواصلون السير إلى مكة.
وجدنا في شوارع مكة عدداً كبيراً من أسراب الحمام ما بين (15) إلى (20) ألف حمامة ويزعم السكان هناك أن هذا الحمام ينحدر من الحمامة التي كانت تتحدث إلى محمد على هيئة الروح القدس ويحلق ويهبط كما يريد وبكل حرية دون أن يتعرض له أحد، بل إنه يدخل إلى المتاجر والمخازن الملأى بالقمح والشعير والأرز وغير ذلك من الخضراوات والحبوب والبضائع الأخرى. ولا يحق لأي شخص أن يطرد الحمام أو يمسك به لاعتقادهم بأن المدينة ستتعرض للدمار إذا ما تعرضت أية حمامة للأذى.
الفصل المتعلق بحيوانات ذات قرن واحد في الهيكل
وفي مكان آخر من الهيكل المذكور غرفة مغلقة فيها حيوانان لكل منهما قرن واحد ويتم عرضهما كشيء نادر وهما كذلك بالفعل.. وسأخبركم عن هذين الحيوانين: فالكبير منهما مثل مهر في السنتين والنصف (النص الأصلي 30 شهراً) من عمره وفي مقدمة جبهته قرن واحد يبلغ طوله ثلاثة براسيا (وحدة قياس إيطالية قديمة تساوي ذراعاً ونصف الذراع) أما الحيوان الثاني فهو كالمهر الذي بلغ السنة من عمره وفي مقدمة رأسه قرن أصغر من القرن الأول ويميل لونه للسواد(9) ورقبته ليست طويلة وثمة شعر يغطي أحد جانبيه وقوائمه نحيفة كقوائم الماعز. وكان ملك الحبشة هو الذي قدم هذين الحيوانين هدية إلى سلطان (حاكم) مكة وثمة من يقول: إن سلطان مراكش هو الذي أرسلهما هدية إلى سلطان مكة". انتهى كلام الرحالة الإيطالي.
في عام 1514 قام السلطان قانصوه الغوري بزيارة مكة للحج مع زوجاته وابنه ناصر محمد وقد عاد الشريف بركات معهم
إلى مصر بعد انتهاء مناسك الحج. وكانت المرة الثالثة التي يزور فيها مصر وكافأه السلطان على ذلك. ومنذئذ حكم بركات بتفاهم ووئام مع شقيقه قايتباي وولده علي أبي نميّ حتى وفاته عام 1524.
ويذكر الحسيني أنه عندما بلغ (أبو نمي) ابن بركات الثامنة من عمره أرسله والده برفقة السيد ابن عجيل والقاضيين الشافعي والمالكي لتلقي العلم في مصر. وكان السلطان قانصوه الغوري آنذاك يعد حملة عسكرية وقد رحب بأبي نميّ واحتضنه وطلب منه أن يقول شيئاً فقال أبو نميّ: { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } فأصدر السلطان أوامره فوراً بتعيينه حاكماً مساعداً في مكة بدلاً من عمه قايتباي وذلك حال إنهاء دراسته وعودته إلى مكة.
حقق الأسبان في تلك الفترة انتصارات ضد المور (أي المسلمين) وسرعان ما تلا ذلك تهديد البرتغاليين للهند والشواطئ الجنوبية للجزيرة العربية، حتى أصبحت جدة نفسها قاعدة حربية. وجهّز السلطان الغوري أسطولاً من خمسين سفينة وأناط قيادته بالمير حسين المشرف الكردي أحد كبار قادته الذي عرف عنه الجشع، ونقل الأسطول إلى البحر الأحمر لمجابهة الأساطيل البرتغالية، وكان قباطنة سفن حسين الكردي من العرب أما بحارته فكانوا من الأسرى المسيحيين والعبيد وعددهم ألف وخمسمائة مقاتل. وما إن وصل إلى جدة حتى بأمر ببناء سور حولها وذلك لحماية سكانها من القبائل المجاورة، وكان متعجلاً لدرجة أنه أمر كافة الذكور القادرين بالمشاركة في العمل كما أمر بهدم العديد من المنازل لتوفير مواد البناء أو لأنها كانت قائمة في أمكنة سيمر السور فيها)(10) وتم إنجاز السور خلال عام واحد(11) وفي غضون ذلك تلقى السلطان قانصوه الغوري المزيد من طلبات الإغاثة والنجدة من ملكي غوجارات (في الهند) واليمن.
يقول الحنفي في كتابه (البرق اليماني…) ما يلي:
"في السنوات الأولى من هذا القرن ولسوء طالع المسلمين تمكن البرتغاليون لأول مرة من التسلل والوصول إلى الهند، وقد شجعوا بعد نجاحهم وأخذوا يجمعون المعلومات عن البحر وطرقه وذلك اعتماداً على ملاح عربي ماهر يدعى (أحمد ابن ماجد)… وكان قائد البرتغاليين قد دعاه إلى مأدبة على ظهر سفينته وقدم له الخمر. وبعد أن دار النبيذ برأسه أخبر البرتغاليين بضرورة الابتعاد عن الشاطئ في بعض الأماكن لوجود صخور كبيرة مخيفة تحت المياه وأن باستطاعة السفن بعد ذلك الاقتراب من الساحل. بذلك تمكن البرتغاليون من الوصول إلى الهند، ثم إنهم سيطروا على مضيق هرمز بعد أن وصلت إليهم تعزيزات جديدة… ولم يجرؤ المسلمون على المخاطرة بالإتجار، لأن السفن البرتغالية كانت في كل مكان… وبعد أن هاجم البرتغاليون غوجارات طلب ملكها النجدة من قانصوه الغوري سلطان مصر فأرسل سفيراً برفقة وفد رفيع المستوى ليطلب من مصر عدة حربية بما في ذلك المدافع لصد غزو الفرنجة، وكذلك الشأن مع عمرو سلطان اليمن الذي طلب النجدة من سلطان مصر لأن البرتغاليين بدؤوا في مناوشة ومضايقة الموانئ والسفن اليمنية… ووافق قانصوه الغوري على الفور وأناط قيادة الأسطول بالمير حسين الكردي بينما عين سليمان الريس قائداً للبحارة وحال وصول حسين الكردي إلى جدة عام 1511 أعلن نفسه حاكماً عليها.
استخدم حسين الشدة والعنف عند بناء سور جدة، فذات يوم شاهد تباطؤاً في العمل فأمر بدفن أحد البناءين في الجدار ومواصلة البناء فوق جثته. لكن الشرفاء شفعوا للبنّاء ودفعوا مبلغاً كبيراً لإنقاذه فوافق حسين الكردي على إلغاء أمره البربري، ويضيف ديورات باربوزا الذي أورد القصة السالفة:
"قبل وقت قصير هزم الأسطول البرتغالي سفن المير حسين القبطان المراكشي قائد أسطول السلطان المصري فعاد إلى جدة وأمر ببناء سور حولها. وذلك أنه بعد هزيمته لم يجرؤ على العودة إلى سلطانه قبل أن يقوم بخدمة له. فطلب من ملك كامبايا المدعو (هولداو محمد) 1458-1511 مبلغاً كبيراً من المال لبناء السور والقلعة مشيراً إلى خطورة دخول الفرنجة إلى جدة لأن من شأن ذلك أن يفتح الطريق إلى مكة.
ويقول باربوزا: إن تاجراً مغامراً يمنياً معروفاً وصل إلى جدة من غوجارات مع شحنة من التوابل والبهارات. وسأله المير حسين عن أخبار البرتغاليين في الهند، وأجاب التاجر اليمني المغامر بأنهم في وضع جيد وأنهم شرعوا في بناء القلاع. وعند ذلك سأله المير حسين: "كيف وجدت الجراءة لزيارة مكة وأنت صديق للبرتغاليين؟" فأجابه التاجر اليمني ويدعى خليفة: "أنا تاجر لا أملك حولاً ولا طولاً… لكنك كنت قبطان أسطول كبير وكان يتعين عليك أن تطرد البرتغاليين من الهند، فلماذا تركتهم هناك وعدت لتبني قلعة في جدة؟" فغضب المير حسين وأمر خليفة وكافة البحارة الذين في حضرته للانطلاق للعمل في السور. والحقيقة أن تحصينات جدة ردعت البرتغاليين عن مهاجمتها فارتدوا عنها ولم يتمكنوا من دخولها.
حال الانتهاء من بناء السور، أبحر المير حسين إلى الهند، وكان الفرانك (أي الفرنجة) قد وطدوا ورسخوا قوتهم. واستطاع المير حسين مقابلة السلطان مظفر شاه غوجارات (1511-1525) لكنه اضطر بعد ذلك للانسحاب دون أن يقوم بأي عمل عسكري بل أن السفن البرتغالية طاردته حتى رسا في جزيرة قمران في البحر الأحمر. ومن هناك أرسل وفداً إلى عمرو سلطان اليمن ومعهم الكثير من الهدايا الثمينة للسلطان. وطلب الوفد من سلطان اليمن إمداد الأسطول بما يلزمه من مؤونة. وبعد أن استشار السلطان اليمني عمرو وزيره رفض تزويد المير حسين بالإمدادات المطلوبة وذلك خشية أن يؤدي تقديمها مرة إلى طلبها على نحو سنوي بحيث تصبح أتاوة سنوية. وغضب المير حسين من السلطان عمرو وقرر مهاجمته والإطاحة بحكمه. وابتهج رجال الأسطول بذلك. وقويت عزيمة المير حسين بعد أن عرض الزيديون في الجبال (شمال اليمن) مساعدته على الإطاحة بعمرو لأنه كان يسيء معاملتهم. ووصل وفد من الزيديين عرض عليه ليس تموين أسطوله فقط بل وتزويد رجاله بالخيول لمهاجمة عمرو.
أما الشريف عزة الدين ابن أحمد سيد جيزان ورغم صداقته الوثيقة مع عمرو فقد عرض خدماته على المير حسين كما أن الفقيه أبا بكر تعهد بفتح طريق للحملة المقترحة وأن يديرها ويزودها بالمواد التموينية.
ولم يكن سكان اليمن آنذاك قد استخدموا الأسلحة النارية أو المدافع ولذلك فتك فيهم رجال المير حسين وقتلوهم بالمئات.
ودب الذعر في أوساط المقاتلين اليمنيين بسبب صوت المدافع والدخان الذي ينطلق منها وكانت خسائرهم فادحة اضطروا إزاءها للتراجع إلى عاصمتهم (زبيد) وإغلاق أبوابها بعد أن حملوا معهم بعض قذائف المدفعية التي تسببت في موت الكثيرين منهم. وبعد عدة معارك غير متكافئة من هذا الطراز استولى المير حسين على زبيد ودخلها في العشرين من حزيران 1516 على رأس قواته التركية والمراكشية والمصرية والسورية ومساعديه من الزيديين وقوات شريف جيزان. بينما فر عمرو مع شقيقه وابنه إلى تعز. وسرعان ما بدأ الجيش المنتصر في سلب ونهب العاصمة زبيد. وكان في معية المير حسين محصل ضرائب سيئ السمعة يدعى (توجان) وشرع هذا التوجان بعمل إحصاء للسكان ومنازلهم وجمع مبالغ طائلة منهم طيلة (17) يوماً.
وأبحر المير حسين بعد ذلك على طول الساحل ووجهته عدن الأشد ثراء من زبيد، واصطحب معه سليمان الريس لكنه ترك خلفه (بارسباي) وهو أحد كبار ضباطه وشريف جيزان وكلفهما بسلب المقاطعات المجاورة… وفي أثناء إبحاره باتجاه الجنوب كان حكام البلدات الساحلية يحضرون إليه مستسلمين الواحد تلو الآخر. وكل واحد منهم يقدم له مبلغاً من المال. غير أن قصص نجاحه في إخضاع زبيد وما تناقله الناس عن قسوته وصرامته قد روعت سكان جدة لاعتقادهم لأنه لا بد أن ينزل فيها في طريق عودته.
قام المير حسين بتدمير قلعة عدن لكنه لم يستطع احتلال المدينة فأبحر إلى جدة مع غنائمه الهائلة في خريف عام 1516 حيث مارس فيها (أي في جدة) أبشع أنواع التعذيب التي قد تخطر على بال. فقد بنى محارق لحرق الناس وقاعات تعذيب مزودة بأجهزة تعذيب لم يسمع بمثلها ويقال: إن أحداً لم يبلغ في الجشع والقسوة ما بلغه المير حسين.
في غضون ذلك كانت قوة المماليك في انحدار وتراجع واستطاع السلطان العثماني سليم إلحاق هزيمة منكرة بالسلطان المملوكي قانصوه الغوري وقتله، ثم إلحاق هزيمته الثانية بطومان باي خليفة قانصوه الغوري وهو آخر سلالة المماليك وسرعان ما أعلن السلطان العثماني سليم أن الحجاز جزء من إمبراطوريته.
ما إن سمع الشريف بركات بانتصارات السلطان سليم حتى سارع إلى إرسال ابنه الشريف (أبي نميّ) وكان في الثالثة عشرة من عمره إلى بلاط السلطان سليم. وقد سر السلطان سليم باستقبال شريف مكة الذي ينحدر من سلالة الرسول وسدنة البيت الحرام. واعترف السلطان بوضع الأشراف واستقلالهم في منطقة مكة. ويقول الحنفي: إن أشراف مكة تمتعوا منذئذ بناء على أوامر السلطان سليم بامتيازات الحكام. وبعد أن سمع السلطان تقريراً عن أوضاع الحجاز من الشريف أبي نميّ الذي لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره سلمه أمراً (فرماناً) بقتل المير حسين الكردي، وما إن وصل الشريف أبو نميّ إلى مكة يحمل الفرمان المذكور حتى احتفل المكيون بذلك كثيراً. واستلم بركات كذلك اعتراف السلطان الرسمي بسيادته على مكة والمدينة والحجاز بأسره بما في ذلك جدة شريطة العناية بالميناء. وأمر الشريف بركات بقراءة فرمان السلطان سليم أمام الناس وارتدا خلع الشرف التي أرسلها له، وبدأ الناس يتوافدون لتهنئته. وفي اليوم التالي أصدر أمره بالخطبة إلى السلطان سليم وأرسل مبعوثاً إلى المملوك المير حسين يبلغه أن السلطان يريد عودته إلى القاهرة فوراً. وأرسل الشريف بركات مع أمير البحر المملوك المير حسين عدداً من العبيد الزنوج بعد أن أوصاهم بقتله فوصلوا معه إلى جدة حيث وضعوه على سفينة وأبحروا فيها في عرض البحر ثم قيدوه بالسلاسل وربطوا أكياساً من الحجارة إلى جسمه. وألقوه من السفينة في مياه عميقة، وعندما سمع أتباعه بمصيره فروا، أما الذين قبض عليهم فقد قتلهم الحجازيون بالشكل المناسب عقوبة لهم على الجرائم والآثام التي ارتكبوها.
وانضم جنود المير حسين الذين استطاعوا الهرب، إلى بارسباي الذي سبق أن عينه المير حسين والياً على زبيد وما جاورها لدى انطلاقه إلى جدة. وابتهج بارسباي بهذه التعزيزات الجديدة التي وصلت إليه وتشجع لدرجة أنه وضع خطة لاحتلال اليمن بأسره. وحالما سمع السلطان (أو الملك) عمرو بخطط واستعدادات بارسباي، قرر المقاومة، لكن قوات بارسباي استطاعت اقتحام تعز عام 1517 فانسحب منها عمرو الذي قام بعد ذلك بمهاجمة قوات بارسباي لكنه هزم وقتل مع شقيقه فانتهت سلالته بذلك في أيار (مايو) 1517.
لم يتمتع بارسباي بالحكم أكثر من شهرين قصيرين في صنعاء ثم جمع غنائمه الهائلة وحملها على زهاء ثمانية آلاف جمل هذا عدا غنائم رجاله التي حملوها على آلاف الجمال الأخرى واتجه عن طريق نجران نحو زبيد، وبالقرب من نجران هاجمته القبائل العربية وفي طليعتها قبيلة (بني حبيش) فقتل مع كبار ضباطه وهرب رجاله في كل الاتجاهات بينما استولت القبائل العربية غنائمه. وتجمع من بقي من رجاله وبعد وصولهم إلى زبيد اتفقوا على تعيين المملوك الشركسي (اسكندر) قائداً عليهم… وتلقى اسنكدر بعد ذلك فرماناً من السلطان بتعيينه حاكماً على زبيد أما الجنود الآخرون الذين انضموا تحت قيادة مملوك بيزنطي يدعى رمضان فقد ارتدوا الملابس التركية وأعلنوا اعترافهم بسلطة السلطان سليم.
وهكذا عندما وصل ممثل (أو سنجك) السلطان سليم إلى جدة واسمه حسين الرومي وجد عدداً كبيراً من السفن المسلمة التي أحضرها المير حسين الكردي كما وجد كمية وافرة من الأسلحة والعتاد. وحينئذ حصل على وعود بالدعم من شريف مكة ومن باشا القاهرة لخطته في غزو اليمن. لكنه عندما وصل إلى حدود اليمن أتاه خبر بوفاة السلطان سليم كما علم بأن المملوك اسكندر يعد العدة للدفاع فعاد حسين الرومي إلى مكة دون أن يحقق شيئاً.
وحدثت فتنة في القاهرة عندما ثار أحمد باشا. وكان سلمان الريس في القاهرة آنذاك، وسلمان الريس هذا هو الذي كان يقود بحارة المير حسين الكردي، ونتيجة الفتنة هرب سلمان الريس واتجه إلى مكة للجوء فيها. ولدى وصوله شجع السنجق حسين الرومي على تجديد محاولته لغزو اليمن بينما بدأ هو بقواته الباقية مهاجمة البرتغاليين في جزيرة قمران التي كانوا يستعملونها قاعدة للإغارة على موانئ البحر الأحمر، وقتل الكثير من البرتغاليين كما أسر عدد كبير منهم ثم طلب من اسكندر الكرماني أن يستسلم له. واستطاع سلمان الريس كسب تأييد ودعم الشريف (عزة الدين) حاكم جيزان وسار بقواته نحو زبيد. وقد طلب سلطان هذه المدينة من الحامية أن تستسلم. ووقع اسكندر على أي حال في يدي الشريف عزة الدين شريف جيزان فعفا عنه وهو ما أغضب سلمان الريس الذي قام بمهاجمة قوات الشريف وقوات اسكندر في آن واحد واستطاع أن يقتل الشريف وفقد سلمان في تلك المعركة زهاء مائتين من حرسه الشخصي. وما إن سمع بأن الوزير إبراهيم باشا نجح في إعادة النظام إلى القاهرة حتى سارع في السفر للانضمام إليه وترك حسين الرومي في اليمن لتثبيت النظام وفي تلك السنة 1524 توفي الشريف بركات في م
(ح) تعني حكم مكة.
(1) موضع إلى الغرب من مكة.
(2) يقول ابن زيني: إن الجزان قتل على أيدي عدد من الروم العاملين بمعية القوات المصرية عام 1502 بينما يقول الظهيري أن الشراكسة الأتراك هم الذين قتلوه ولذلك اختار المؤلف عبارة (الجنود المصريون).
(3) رحلات في مصر وسورية والصحراء العربية واليمن السعيد وبلاد فارس 1503-1508 الصفحات 31-49.
(4) كان الغربيون آنذاك يطلقون على المسلمين اسم (مور) نسبة إلى مراكش وبعد الفتوحات العثمانية في شرق أوروبا صاروا يطلقون عليهم اسم أتراك (المترجم).
(5) التحامل واضح ولا يحتاج إلى تعليق.
(6) التحامل الصليبي واضح هنا. ففي تلك المرحلة التاريخية كان بابوات الفاتيكان في روما يصدرون ويبيعون صكوك الغفران التي يتجاهلها هذا الرحالة الإيطالي وينتقد المسلمين لأنهم يطلبون الغفران.
(7) هذا يعبر عن رأي المؤلف.
(8) من الواضح هنا اختلاط الأمور على الرّحالة الإيطالي. فالحمام يأوي إلى مكة لأن أحداً لا يؤذيه، ولم تتحدث حمامة إلى الرسول بل كان الملك جبريل هو الذي يتحدث إليه أحياناً.
(9) يعتقد المؤلف بعد أن اطلع على مصادر أخرى أن الحيوانين في الواقع من الأيائل الإفريقية.
(10) الحسيني. كتاب تنضيد العقول.
(11) لقد هدم سور جدة عام 1949 بعد شق طرق جديدة وبناء منازل خارجة، فأمرت السلطات بهدمه.
|
30 أغسطس 2009
Posted in
الأرشيف -
المكتبة
الفصل الثامن :
محمد أبو نمي الثاني أولاده وأحفاده وأحفاد أحفاده 1524-1632
وما إن تسلم منصب والده حتى وصلت إلى جدة قوات عثمانية (يسميها المؤلف تركية) في طريقها إلى اليمن ومن ثم إلى الهند في محاولة جديدة لطرد البرتغاليين ودخلت السفن العثمانية ميناء جدّة في حزيران 1526، وشرعت تلك القوات حال نزولها على البر في نهب وسلب ممتلكات المواطنين والتصرف بوقاحة وصلف، والاعتداء على الناس والممتلكات. وسرعان ما ارتفعت الأسعار لأن القوات العثمانية كانت بحاجة إلى إمدادات كبيرة…. كانت محنة كابدها الحجازيون لدرجة أنهم ظلوا يتذكرون تلك السنة فترة طويلة بعبارة (سنة سلمان) وسلمان هو اسم قائد الحملة التركي. ووجد الشريف الشاب أبو نُميّ الثاني صعوبة كبيرة في حفظ النظام والأمن وذلك حتى قرر القبطان سلمان ووالي اليمن المعين حديثاً وهو (خير الدين) الشهير، الإبحار إلى اليمن.
بعد بضع سنوات انطلقت من السويس حملة ثانية بقيادة (سليمان الخادم) أحد عبيد السلطان سليم وكان والياً على القاهرة. ووصل الأسطول إلى جدة لكن الجنود لم ينزلوا فيها بل أرسل الشريف وفداً للترحيب بالأسطول العثماني وقائده ثم واصل الأسطول إبحاره إلى جنوب الجزيرة العربية. وكان من المقرر أن يواصل الإبحار من هناك إلى الهند.
في عام 1539 وبعد مغامراته في الهند التي تحدث عنها الحنفي بإسهاب عاد إلى اليمن في طريق عودته حيث قتل بيديه في خيمته الحاكم أحمد. ووردت التقارير باقتراب أسطول سليمان الخادم مرة أخرى من الأراضي التي يحكمها الشريف أبو نميّ الثاني الذي كان قد احتل جيزان قبل عام ووضع عليها حاكماً من قبله. غير أن سليمان الخادم طرد حاكم الشريف ووضع على المدينة حاكماً من قبله مع عدد من الجنود وفي نيسان 1539 وصل الأسطول إلى جدة ومكث فيها انتظاراً للحج، وقد اقترف مع رجاله تجاوزات كثيرة وعاملوا السكان بقسوة متناهية ولم يظهروا الاحترام اللائق بالأماكن المقدسة. ومع ذلك عندما قرر سليمان الخادم الإبحار نحو الشمال استغل الشريف الفرصة وأرسل ابنه أحمد معه لمقابلة السلطان سليمان الأول في استانبول حيث رحب السلطان به وبالقبطان سليمان الخادم. وقد بلغ السلطان سليمان الأول ذروة فتوحاته في ذلك العام وامتدت حدود الإمبراطورية العثمانية من الهند ؛ى مضيق جبل طارق ومن بودابست حتى الفرات وبالتالي كان السلطان في حالة من الرضى والكرم والبذخ، لكن لسوء الحظ انتشر وباء الطاعون في استانبول وتوفي بهذا المرض عدد من مرافقي أحمد بن الشريف أبو نميّ، بما في ذلك القاضي عرار أحد القضاة الثلاثة الذين رافقوه بل إن أحمد نفسه وقع مريضاً. وعندما عاد في النهاية إلى الحجاز سالماً يحمل الهدايا لوالده، استقبله والده والأشراف والوجهاء استقبالاً رسمياً حافلاً في وادي المر وألقيت القصائد في مديحه ومديح والده غير أنه لم يبل من مرضه تماماً وتوفي بعد ست سنوات وكان حزن والده عليه كبيراً.
ومنذ وفاة أحمد وهو في ربيع عمره كرس أبو نميّ حياته وعلى نحو متزايد لعمل الخير وساعده على ذلك الأموال التي كان يرسلها السلطان سليمان الأول من جهة وحقه في نصف الجمارك والرسوم التي يحصلها ميناء جدة من جهة أخرى وهو الحق الذي أثبته السلطان بعد أن قامت سفن الشريف بمطاردة سفن برتغالية ظهرت قبالة جدة عام 1541.
وأعيد بناء سقف الكعبة عام 1551 بأمر من السلطان الذي أرسل في نفس الوقت مبالغ إضافية لتوزيعها على فقراء الحجاز كصدقة. في تلك الأثناء كانت قافلة الحجيج اليمني تصل سنوياً وبشكل منتظم، وفي عام 1555 أرسل مصطفى باشا نائب السلطان العثماني في اليمن محملاً (يحمل كسوة الكعبة) فضلاً عن محملين آخرين وصلا من سورية ومصر.
وفي عام 1557 توقف جريان الماء في جبل عرفات فالتمس الشريف من السلطان المساعدة على إصلاح الأقنية، فقررت شقيقة السلطان دفع كافة التكاليف التي قدرت بـ (35) ألف دينار. وتمّ تعيين الدفتردار (أي مسؤول الخزانة أو الخزينة) المصري إبراهيم بك أميناً عاماً ومشرفاً على عملية الإصلاح والترميم وأرسلت شقيقة السلطان على الفور من مالها الخاص مبلغ (50) ألف دينار. وسرعان ما وصل إبراهيم بك الدفتردار وبرفقته أربعمائة مملوك ومهندس وفني من دمشق وحلب ومصر وغيرها. وأصدر رئيس المهندسين (الباشمهندس) أوامره بحفر قناة حتى بئر زبيدة. كان ثمة صخور بركانية تعترض خط القناة المنوي حفرها وحاول المهندسون تفكيك وتحطيم تلك الصخور باستعمال النار حواليها فاقتلعوا الكثير من الأشجار من المناطق المجاورة حتى لم يبق ثمة شجر أو حطب كما تعب العمال وضعف حماسهم فضلاً عن أن عدداً من خدامه وعبيده قد ماتوا بل إن إبراهيم الدفتردار نفسه وقع مريضاً وتوفي ودفن بعد عشر سنوات من الشروع في العمل.
ورغم توصية الشريف أبي نميّ بأن يشرف حاكم جدة وقاضي القضاة في مكة على عملية حفر الأقنية وإتمام المشروع في المستقبل غير أن السلطان أصدر تعليماته بتعيين الدفتردار المصري (محمد بك أكمل زاده) بالإشراف على إنجاز المشروع لكنه فشل أيضاً وتوفي. وأخيراً تم تعيين كل من (قاسم) حاكم جدة والسيد حسين قاضي مكة المالكي. وفي عام 1571 توفي قاسم حاكم جدة وبعد شهر على وفاته استطاع القاضي حسين إيصال المياه إلى مكة. فأقيمت حفلة ابتهاج بإنجازه هذا في حديقة منزله في البطحة. وبلغت نفقات المشروع سبعمائة دينار فضلاً عما أنعمت به شقيقة السلطان على قاضي مكة المالكي. وبعد إنجاز المشروع أرسل السلطان أوامره بإصلاح الحرم كما أمر بأن يكتب بماء الذهب لفظ الجلالة (الله) يليه محمد(ص) ثم أسماء كل من الخلفاء الراشدين على نحو متسلسل (أبو بكر، عمر، عثمان، علي) واستغرقت الإصلاحات أربع سنوات وكتبت الأسماء المذكورة بماء الذهب بين باب علي وباب العباس وهما من أبواب الحرم.
في عام 1565 قام (محمود باشا) والي السلطان في اليمن بزيارة مكة في طريقه إلى مصر بعد أن عيّن مكانه في اليمن (رضوان ابن مصطفى) ويقول الحنفي: إن موكب محمود باشا كان فخماً ومهيباً نال إعجاب كل من شاهده.
وفي تموز من ذلك العام وصل إلى مكة حاجاً عبد برتغالي بسيط وقد وصف مكة بدقة متناهية ولكن باختصار وكان السينيور (ج. ل. ديلا فيرا) هو الذي اكتشف المخطوطة على هامش كتاب عربي يحمل الرقم (217) في مكتبة الفاتيكان(1)… انطلق العبد البرتغالي من رابغ في آخر يوم من حزيران متوجهاً إلى مكة ويبدأ قصته بالقول: "ومن هنا ينطلق الناس إلى مكة شبه عراة" لكنه لا يتطرق إلى وصف الأشراف كما أن اسمه وتاريخه غير معروفين. وفي نفس هذه الفترة أسر الأتراك ألمانياً يدعى (هانز ويلد) في هنغاريا واصطحبه سيده معه إلى مكة لكنه استطاع الفرار بعد ذلك والعودة إلى ألمانيا عام 1611. وبعد بضع سنوات أسر العثمانيون في البحر الأبيض ولداً من البندقية يدعى (ماركو ديلومباردو) كان برفقة عمه القبطان وتم بيعه في سوق العبيد في القاهرة فاشتراه أحد المماليك وأرسله بعد ذلك إلى مكة برفقة ابنه وقد طبع ونشر قصته المبشر الكاثوليكي (أيوجين روجر).
في عام 1569 وصل إلى مكة سنان باشا في طريقه إلى اليمن لتسلم منصب الوالي فيها وكانت تصرفات قواته وحاشيته مهذبة ولم يتسبب في أية مشاكل سواء في زيارته تلك أو زيارته الثانية وهو في طريق عودته إلى القاهرة.
في غضون ذلك انتشرت شهرة الشريف الذي عرف بورعه وتقواه وأعمال البر والإحسان وأصبح لقبه (نجم الدين) وهو الذي وضع قانون وأحكام وراثة (أو خلافة) منصب الشريف بين الأشراف الهاشميين بحيث استبعد عن هذا المنصب كافة الفروع القرشية الأخرى. ومن أحفاد أبي نميّ الثاني أشراف (ذوي زيد) وذوي عون وآل بركات.
ونتيجة لهطول أمطار غزيرة عام 1557 ولأن الخندق المحيط بالحرم تعرض للتجاهل فترة طويلة بحيث امتلأ بالحشائش والأنقاض، تدفقت سيول المياه إلى مكة واقتحمت الحرم وبلغت المياه في ارتفاعها حتى مستوى الحجر الأسود في الكعبة طيلة (36) ساعة وشارك المكيون كافة في نضح المياه وتنظيف الحرم وإصلاح ما خربته السيول وتم حفر خندق بعمق عشرة أقدام بحيث لا تستطيع المياه اقتحام الحرم مرة أخرى في المستقبل. وتم وصل الخندق بأقنية أخرى تحمل مياه السيول بعيداً عن الحرم.
في عهد السلطان سليم الثاني أعيد بناء الحرم بأسره بكلفة بلغت (110) آلاف قطعة ذهبية جديدة من خزانة السلطان، هذا غير كلفة الخشب الذي نقل من مصر أو كلفة الأدوات الحديدية التي استخدمت في العمل أو القضبان والركائز والروافع والأهلة النحاسية التي صنعت كلها في مصر وأرسلت إلى مكة. ويتحدث الحنفي في كتابه عن تفاصيل العمل الذي لم ينجز إلا في عهد السلطان التالي مراد الثالث في آخر أيام حكم الشريف أبي نُمّي.
كان من شأن الفتوحات العثمانية الواسعة في أوروبا والقوقاز أن تدفقت الثروات على استانبول ومنها إلى الحجاز الذي ازدهر على نحو ملحوظ في عهد الشريف أبي نميّ الذي كرس حياته لحماية مصالح مكة والمكيين وكان شديد الورع كثير الإحسان والبر وهو ما عزز شهرة الأشراف. وفي عهده لم تتوقف أعمال البناء: تكايا ومبرات وخانات ومدارس ومحاكم وقاعات فضلاً عن أعمال البناء والتجديد داخل الحرم نفسه، وحفر أقنية مياه جديدة توصل مياه التلال إلى مكة على نحو منتظم. ولم تحظ مكة بمثل ما حظيت به من ازدهار وبحبوحة في عهد أبي نميّ الثاني الذي استمر في الحكم حتى بلغ الثمانين من عمره، وكان قبل ذلك قد شارك والده في الحكم وهو في العاشرة من عمره ثم حكم وحده بعد ذلك بمساعدة ابنه احسن بعد وفاة ابنه أحمد. وتوفي أبو نُميّ في نجد على مسيرة عشرة أيام من مكة عام 1584 وحزنت مكة بأسرها وناحت عليه، وحمل جثمانه إلى مكة من الشمال الشرقي بينما كان ابنه وخليفته الحسن وقد حضر من اليمن، يدخل مكة من الجنوب.
كان حسن آنذاك في التاسعة والخمسين من عمره، وفكر في تعيين ابنه مسعود مساعداً له، لكن كلاً من ثقبة ومسعود توفيا بعد ذلك وثقبة هذا هو جد بني ثقبة الذين ما زال الكثيرون منهم يعيشون حياة البداوة في الصحراء.
أخذ الشريف حسن جانب الصرامة والقسوة في تعامله مع البدو حتى شاع قول في عهده بأن البدوي قد يقسم كذباً بأي شيء باستثناء اسم الشريف حسن، وازدهر الشعر في أيامه وكان يجزل لهم العطاء ويشجعهم وهو الذي بنى المكان المعروف باسم (دار السعادة) وزاد رخاء مكة حتى إن المكيين استمروا فترة طويلة يترحمون على عهده الذي كان بمثابة (العصر الذهبي) تماماً كما كان الأتراك يترحمون بعد ذلك على عهد السلطان مراد الثالث، والمراكشيون يترحمون على عهد مولاي أحمد كآخر حكام حققوا الازدهار والرخاء لشعوبهم. وبعد وفاته أجمع الأشراف على تعيين ابنه إدريس المعروف بلقب (أبو عون) خلفاً له، واتخذ إدريس شقيقه (فهيدا) مساعداً له، بينما اختار فهيد قريبه (محسن ابن حسين ابن حسن) مساعداً له وفي عام 1610 سافر فهيد إلى تركيا حيث توفي هناك وفي عام 1624 توفي إدريس أيضاً وبذلك خلا الحكم لمحسن وبعد أربع سنوات حلت كارثة بالشريف والمكيين.
فماذا حدث؟ لقد وردت الأنباء إلى جدة عن قرب وصول أحمد باشا الوالي المعين حديثاً على اليمن، ولسوء حظ الشريف محسن والمكيين غرقت إحدى سفن الباشا التي كانت تحمل متاعه وأغراضه الشخصية قبالة جدة. فأرسل مبعوثاً إلى شريف مكة يطلب منه إرسال غواصين ماهرين لانتشال واستعادة أغراضه الشخصية من السفينة الغارقة. ويخبرنا الحسيني في كتابه (تنضيد العقود) تفاصيل القصة.
وفيما يلي خلاصتها: حضر الغواصان وشرعا في الغوص وبعد عدة أيام من الغوص والبحث لم يجدا شيئاً، فاعتقد الأتراك أن الشريف محسن الذي لم يحضر بنفسه إلى جدة هو الذي أبلغ الغواصين بعدم انتشال أو استعادة أي شيء من السفينة الغارقة.
في العام التالي 1630 تم تعيين قانصو باشا والياً على اليمن فانطلق مبحراً وبرفقته جيش كبير وكان يحمل تعليمات باستغلال الفرصة ومعاقبة الشريف أحمد حاكم مكة على الجريمة النكراء وهي قتل مفتي مكة. وسمع مسعود ابن إدريس ابن الحسن وهو أحد الأشراف بوصول قانصو باشا. وكان مسعود يخشى أن يتحول عنه الشريف أحمد ويناصبه العداء كما فعل مع الأشراف الآخرين، فغادر مكة سراً وانطلق لمقابلة قانصو باشا في ينبع.
من جهة أخرى توجه الشريف أحمد نفسه لمقابلة قانصو باشا لدى وصوله قرب مكة فاستقبله الباشا بحفاوة بل إنه بالغ في طمأنته عندما دعاه لاستعراض الجنود واللاوند (اللاوند كلمة تركية تعني رجال الأسطول أو البحارة) حيث اصطف الجنود واللاوند بانتظام أمام الخيام وكانت الموسيقى قد عزفت لدى وصول الشريف أحمد (ويقول المؤلف: إنها موسيقى بربرية رغم أنه لم يسمعها حتى يستطيع وصفها وهذا مجرد مثال آخر على التحامل –المترجم-) وقام الباشا يرافقه الشريف باستعراض القوات المسلحة. كانت أسلحة الجند تلمع تحت الشمس وملابسهم حمراء ووجوه كبار الضباط صارمة التقاطيع يعتمرون خوذاً رومانية الطراز وهو ما خلق انطباعاً بأنهم جنود لا يهزمون ولديهم قدرات قتالية كبيرة.
وكان المفروض أن يغادر قانصو باشا مع قواته إلى اليمن في الأسبوع التالي. وبعد ثلاثة أيام من زيارته الأولى قام الشريف أحمد برفقة ثلاثة أشراف آخرين ووزيره وحافظ خزينته وقائد حرسه الشخصي بزيارة معسكر الباشا لوداعه. وتمّ الترحيب بهم وجلسوا للعب الشطرنج وانتهى لعب الشطرنج عند الغروب وعند ذلك دخل ضباط من اللاوند (البحارة) وخنقوا الشريف وأبلغوا صحبه بالعودة إلى مكة وإخبار الناس بإعداد الشريف أحمد فعادوا ليجدوا الشريف مسعود ابن إدريس ابن الحسن قد أعلن نفسه حاكماً على مكة.
وخلال حكم مسعود القصير انهارت الكعبة بأسرها نتيجة الفيضانات التي اقتحمت الحرم مرة أخرى وتوفي زهاء خمسمائة شخص غرقاً في مكة وجوارها حيث هطل مطر غزير وسال من التلال والجبال ليشكل سيولاً كبيرة جرفت في طريقها كل شيء حتى دخلت مكة وهدمت الكعبة. وسرعان ما أرسل السلطان مراد الرابع مهندساً يدعى (رضوان آغا) وهو مملوك خصي (طواشي) لإصلاح الحرم. وفي أثناء وجود رضوان في مكة توفي الشريف مسعود فاستلم الحكم رضوان باسم السلطان إلى أن تلقى فرماناً من الأستانة (استانبول) فطلب من الأشراف اختيار واحد من بينهم. فعينوا أكبرهم سناً: (عبد الله ابن حسن ابن محمد ابن أبي نميّ) الذي تنازل عن المنصب بعد تسعة أشهر لصالح ابنه محمد وأرسل يستدعي زيد ابن محسن من اليمن ليكون مساعد ابنه وشريكه، وتوفي عبد الله عام 1631.
كانت الاضطرابات الطبيعية والسياسية التي عانى منها سكان مكة في تلك الفترة لا تعتبر شيئاً مقارنة بما سيكابدونه، ذلك أن جيش قانصو باشا فشل في إنجاز المهمة التي أنيطت به في اليمن وذلك لقسوة ووحشية أساليبه وعدم انضباط رجاله الذين كانوا ينهبون ويغتصبون في كل مدينة يدخلونها وبناء على أوامره الشخصية. وانطلقت إشاعات بأنه أبحر مع جيشه إلى مصر وأنه في طريقه إليها، وكان خوف المكيين عظيماً في أن يقوم قانصو بزيارة مكة مرة أخرى.
ومن قنفذة على الساحل إلى الجنوب من جدة وردت رسالة إلى الشريف موقّعة من ضابطين تركيين كبيرين وهما الآغا محمود بك والآغا علي بك يقولان فيها: إنهما في طريقهما إلى مصر لكنهما يفضلان قضاء بضعة أيام في مكة لتجهيز أنفسهما وقواتهما للرحلة الطويلة إلى مصر. ولأن الأشراف يدركون مخاوف سكان مكة فقد رفضا استقبالهما وأمرا بردم الآبار بين قنفذة وبين مكة. ولدى سماع الضابطين وقواتهما بهذا التصرف العدائي قررا اقتحام مكة عنوة. وخرج الشريفان محمد وزيد مع بقية الأشراف والجنود والعبيد لملاقاة القوات التركية ومجابهتها وخيم الجيش الشريفي عند بركة المعجن بينما وصل الأتراك إلى السعدية على بعد (40) ميلاً إلى الجنوب من مكة.
وحضر السنجق التركي (الحاكم) في جدة مع كافة قواته لدعم الأشراف. وبعد أربعة أيام وفي صباح الثامن عشر من آذار 1631 التقى الجيشان في وادي العبر وسرعان ما اشتبكا. كان القتال ضارباً وعنيفاً على غير المألوف وقتل الشريف محمد ومعه ثمانية أشراف آخرون وجرح الشريف هزاع جرحاً بليغاً وفقد يده بعد ذلك كما قتل زهاء خمسمائة جندي مكي. وتوفي السنجق (الحاكم) التركي من الإرهاق والإعياء بعد المعكرة مباشرة، بينما استطاع زيد الانسحاب من أرض المعركة نتيجة تفوق القوات التركية وتوجه إلى المدينة. ودخلت القوات التركية إلى مكة ونهبت المواد التموينية وذبحوا الجمال والتهموها وحسب ما يقول الحسيني (اغتصبوا العذارى والأولاد…. وظلوا طيلة أسبوع يرغمون البنات والأولاد على تناول الخمر ليسهل اغتصابهم) وفي غضون ذلك استغل البدو مناسبة الفوضى وأعلنوا الثورة وبدأوا ينهبون القوافل المتوجهة إلى مكة وهم آمنون من العقاب.
ولأن جدّة رفضت الاستسلام فقد غزتها القوات التركية بقيادة الضابطين المذكورين واقتحمتها وفعل الجنود بها كأفعالهم في مكة… كانوا يقبضون على التجار الأثرياء ويعذبونهم حتى يكشفوا عن أموالهم.
ومن المدينة واصل الشريف زيد إرسال المبعوثين الواحد تلو الآخر إلى مصر يطلب المساعدة. وسرعان ما أرسل السلطان سبعة سناجق وهي قوة كبيرة كما أرسل خلعة إلى زيد ارتداها داخل مسجد الرسول في المدينة قبل عودته إلى مكة. كان الجنود الأتراك المتمردون في غضون ذلك قد عينوا الشريف (نامي ابن عبد المطلب الحسن) كحاكم على مكة يتلقى الأوامر منهم. وعندما وصلت إليهم الأخبار عن تقدم جيش مصري بقيادة الشريف زيد بالإضافة إلى قواته الخاصة غادروا مكة على جناح السرعة إلى تربة في الداخل واصطحبوا معهم نامي وشقيقه سعيد ابن عبد المطلب والشريف عبد العزيز ابن إدريس. كان الوقت ظهراً عندما اجتازوا باب النبي وانطلق صوت المؤذن يدعو المؤمنين للصلاة وفي تلك الفترة سقطت راية الجند الأتراك المتمردين من يدي حاملها وكان سقوطها على ذلك النحو نذير شؤم بالنسبة لمستقبلهم، هكذا اعتقدوا، وقد تحقق ذلك بالفعل.
كان الظلام حالكاً. وكان الشريف عبد العزيز قد اهتم كثيراً بمظهره ومظهر مطيته. فاستغل الظلام وتسلل من معسكر الجند المتمردين في جبل المرّة وتوجه إلى ينبع. وفي اليوم التالي اكتشف الأتراك هروب الشريف عبد العزيز فوضعوا الشريفين أبا نامي وسعيداً تحت الحراسة وواصلوا فرارهم. وفي اليوم التالي دخل الشريف زيد مع قواته إلى مكة.
(ح) حكم . (1) ذوو بركات. (2) ذوو ثقبة. (3) العبادلة. (4) ذوو مسعود. (5) ذوو زيد.
(1) العالم الإسلامي المجلد (32) رقم (4) تشرين أول 1942 (مؤسسة هارتفورد).










